السياحة و الطفولة المغتصبة، إلى أين ؟!
وليد أيت مباركة
قضية المجرم "دانييل" تدل بوضوح على عيوب و إشكاليات مختلف مكونات النظام السياسي المغربي و على رأسها القطاع القضائي و السياحي .بعيداً عن الأهداف النبيلة التي نرجو تحقيقها من خلال الفعل السياحي، من تثاقف و تفاهم واحترام متبادل بين الشعوب و الحضارات، تعتبر السياحة أيضاً مصدرا للهيمنة و التخريب الثقافي في مجتمعات العالم الثالث الهشة كما هو الحال في بلدنا اليوم. بدون شك، تعد الانحرافات والآثار السلبية التي تخلفها السياحة الفاسدة على البلد المضيف عديدة على كل المستويات، كما أنها تخفي حقائق مرة تخضع للرقابة في المجتمعات الملقبة بالمحافظة كالمجتمع المغربي، لكن سرعان ما نكتشف أنها علمانية في صلبها و كيانها .السياح يتمتعون بلذة حرية التصرف و المواطنون يتكيفون أو يتذوقون مرارة معاناتهم الجسدية و النفسية لضمان قوتهم اليومي . المؤسساتيون و مهنيو القطاع يتقاسمون معظم الأرباح على حساب التكاليف الاجتماعية، الثقافية، التربوية و الهوياتية التي تحدثها الممارسة السياحية الفوضوية .فعلا، تعتبر السياحة قطاعاً حيوياً و أساسيا لتحقيق التوازن الماكرو الاقتصادي المغربي حيث يخلق فرص شغل مهمة، و يساهم في تطوير الخدمات و إصلاح البنيات التحتية و تنمية الموارد و تعديل ميزان الأداءات، ولكنه أيضا يخلق مجموعة من الاضطرابات و الاختلالات الاجتماعية .
تعد نماذج السفاح "دانييل" عديدة حيث تأتي لبلدنا بحثا عن التلذذ بطراوة و براءة و سذاجة الأطفال الضحايا بثمن بخيس للأسف. أكيد أن السائح يجلب العملة الصعبة و يملأ غرف الفنادق و يأكل بالمطاعم و يستعمل وسائل النقل و يرتاد المحلات التجارية، ولكن أيضا يحمل معه أمراض و أوبئة جنسية عويصة كالسيدا و الزهري (السيفيليس) و مرض السيلان و غيرها . يمكننا أن نرى ذلك جلياً على سبيل المثال لا الحصر في مراكش و أكادير حيث نلاحظ توسعاً هائلا للسياحة الجنسية و انتشار دورالبغاء وتفاقم الأسواق السوداء و مختلف المافيات المحلية السرية المختصة في صيد الغنائم الصغيرة، و ذلك تحت ظل صمت رهيب للقانون و تسامح مبالغ فيه للقضاء المغربي مع السياح الجناة. عندما نرى أطفالاً، قاصرين و قاصرات يخضعون لممارسة الدعارة مع السياح و عائلات تعفن شرفها و سلبت كرامتها من أجل الحصول على بعض المئات من الدراهم التي تخول لهم العيش في بذخ وهمي و عابر، و عندما يتجاوز بخشيش خدمة جنسية تتطلب فقط بضعة دقائق الرواتب الشهرية المحلية، يمكننا أن نجزم بأن المجتمع المضيف ليس في مأمن عن أي انحرافات و تجاوزات قيمية عميقة.
تغلغل و فجور السياح الذين يتنقلون إلى بلادنا ليتمتعوا بالأحاسيس الجنسية الغير المسبوقة، يثبت أن السياحة أيضاً هي منبع خطير للنزعة الاستهلاكية الطائشة للقيم و المعايير الثقافية. غالباً ما تكون الفوائد و الآثار الاجتماعية و الثقافية درامية بالنسبة للسكان المحليين للوجهات السياحية المغربية حيث يمكن لسفر المتعة أن يخلق لهم الإزعاج و الارتباك، لدرجة أن الفرق بين نمط الحياة المحلي و الأجنبي يمكن أن يشكل عاملا مزعزعاً و مدمراً للمبادئ الأصيلة و قيم المجتمع المضيف. فهذا كله يؤدي حتما إلى الاستجابة و التسويق لحاجة السياح الشديدة في الاغتراب و المجون بعيداً عن الأضواء و على حساب الدفاع عن سياحة السلم و تحت إشراف الرأسمالية التهجمية التي تقود فقط إلى ثراء الأغنياء وإفقار الفقراء وتقليص رفاهية المواطنين و المجتمع بأكمله. تسليع الثقافة، الأماكن، الأجساد و التصرفات، تناقض البعد الإنساني، الجانب النخبوي للسياحة و هيمنة القيم المعولمة يترك إذاً فرصة ضئيلة لدمقرطة هذه الصناعة في المجتمع المغربي.
الآثار السلبية، المشؤومة و المكلفة للسياحة على أطفالنا و مجتمعنا تبرر غياب التبصر في المنطق السياسي، القضائي و الاقتصادي الليبرالي الذي يقود هذا القطاع إلى يومنا هذا . لهذا يجب بلورة هيكلة جذرية مستعجلة للسياسات القضائية و الأمنية و القيام بتعديل شامل للقوانين الزجرية و إعادة النظر في الاستراتيجيات السياحية العمومية و الخاصة الحالية و المستقبلية التي أهملت الجانب الثقافي، الاجتماعي و القيمي، و ذلك لمحاربة الانحرافات الجنسية و قلب معادلة العلاقة ما بين أرباح القطاع و أضراره الاجتماعية. وهذا يتطلب إشراك و التزام الجميع في هذا المشروع الحامي للمجتمع المغربي، بدءًا بالنظام الملكي والحكومة و وزاراتها المختصة و السلطات المعنية، و مروراً بعلماء الاجتماع و الاقتصاد و وقوفاً عند الجمعيات، و خصوصاً المدرسة و الأسرة، إلخ .لكن السؤال الإشكالي و الجوهري الذي يطرح نفسه هو كتالي : ما هو السبيل إلى تحقيق التوفيق و التوازن بين التنمية السياحية المعقلنة و التوزيع العادل للأرباح المتوخاة منها و الحماية التي تستلزمها قيمنا و يحتاجها أطفالنا ومجتمعنا ؟
