موكبنا وموكبكم
نجاة حمص
لكل وجهته ,أناس يتجهون بجلابيب بيضاء وقبعات حمراء صوب المشور السعيد في موكب الولاء,وآخرون غابت السعادة من سطور قواميسهم,وتقرحت أقدامهم من المشاوير, انكسرت بوصلة تحديد المكان في قلوبهم,يتجهون لا إراديا لينضموا إلى موكب غير الموكب الرسمي,موكب كل طرق البلاد تؤدي إليه..
موكب العزاء الذي يزداد تعداده كل يوم, فالميت:قيم المغاربة والمشيعون أناس مشابهون للبشر جسديا, غير أنهم مدمرون داخليا, دمروا على مر العصور عن سبق إصرار وترصد.
إن ما يتلقاه المغاربة من قتل لأسمى المعاني لقادر على خلق أزمة اجتماعية كاسحة تلقي بظلالها على أجيال قادمة,فطوال زمن عكف القادة على تدمير ما يضمن توازن المجتمع,دمرت ثوابت لازمة ومحيت قيم وقواعد فاعلة,لذلك لا تعجب من أعداد موكب العزاء..
أميتت فينا القيم خنقا..فاحت روائح الجيفة فحق دفنها, إكراما للميت وتطييبا لخاطر الثكلى والأرامل والأيتام, قيم البلاد صارعت المرض سنين وقاومت التيار, مدت الأيدي إلى قشة رجاء النجاة, لكن القشة كانت أضعف من أن تحتمل ثقل ثقافة كاملة, فأفلتت اليد..
قتلت فينا الوطنية قتلا عن سابق إصرار وترصد,فأصبحت تترجم في القواميس الرخيصة بأنها أوسمة ونياشين توزع في ساعة الغفلة على سميني البطون,اقترنت بأسماء متسلقة ركنت إلى الدثار وقت احتدام الصراع واشتعال الجهاد ,عرف عنها التفرد في "لحس" أحذية المستعمر والحنكة في "تقديم رؤوس أولاد البلاد" ,فبأي مخرج من مخارج الحروف تخرج كلمة المواطنة في بلد تجاهل معرضا جهاد أناس باعوا أرواحهم فداء الوطن,ما بقي منهم إلا صور نتصفحها في كتب التاريخ التي أزيحت من المقرر الغير موافق للعصر كما يقولون,نحن من قبل عرفنا"أسد تادلة","علال بن عبد الله","موحى اوحمو الزياني"...وغيرهم,فمن لجيل أريد له أن يقرن في مفهومه بين المقاومة الوطنية ونسل عائلات لطالما استضافت المستعمر وأقامت له الولائم غير متنازلة عن ال "حلاوة" جزاء ما قطفته أياديها الآثمة من أرواح المقاومين البسطاء..
وئدت الكرامة في دهاليز المصالح الحكومية وتحت الأحذية الثقيلة لأناس ثقيلو الوزن,فلا ترى إلا الإهانة,التعليم بإهانة,..الصحة بإهانة..حتى لقمة العيش تغمس في ماء الوجه لتعطى لنا برؤوس الأصابع تقززا,كأننا جرذان مكانها الملائم مجاري الصرف الصحي للنخبة المتشبثة بكراسي القرار تشبث الأعمى في الظلام,..
زور معنى الحب في بلدنا كما زورت من قبل الإرادات والآراء,فأصبح مفهوم الحب ملازما لمفهوم المال,ودنس ذلك الحب الطاهر بنجاسة الجنس,فلا عجب أن نرى أبنائنا يبيعون أعراضهم متوهمين حبا وقابضين مالا,فالمفاهيم تضاربت والقيم توارت خجلا ..
عفوا..
يا مدعين وصلا بليلى,مابال أصواتكم تنخفض كلما سطع البرق من أعلى قمة الهرم,أين أشعاركم ونثركم,أين تشدقكم بألسنة حداد وزبد أفواهكم يتناثر عبر كل وسائل الإعلام.اليوم ,لكم وجهتكم إلى المشور السعيد ولنا خاصتنا نحو الحزن التليد, نخجل أن نتوجه صوب مكان لا يقاسمنا اسمه الأول ولا الثاني. ما عادت ليلى تتحمل قلوبنا المنهكة وجراحنا الدامية, لذلك ننسحب بهدوء ونعلن انشقاقنا عن ركبكم, حتما سنفسد لكم الفرحة بدموعنا الحارة الحارقة ونشوش على مراسيمكم بشهقات اللوعة المنبعثة من أعمق أعماقنا..
طول الوقوف في صفوف الذل الحكومية يمنعنا من أن ننحني بسلاسة,كثرة الصراخ جراء الحيف بحت له أصواتنا,حتما لن نتمكن من ترديد عبارات الولاء بصوت ملائم لما يمليه حجاب المشور,سيخرج صوتنا نشازا حادا تتخلله آهات الألم,خزاناتنا خلت من الملابس البيضاء,نحن أناس لم نولد في "ليگة"بيضاء,ألبسنا السواد رغما عنا,عاش أسلافنا مدثرين بسواد " الزهر" معانقين الهم والغم بصبر وتجلد ثم ورثوه لنا,لا ملابس بيضاء بحوزتنا, أرجلنا تعجز عن تحمل الوقوف,ف" ركابينا" فشلوا من كثرة أخبار الزيادات في كل ما يخص معيشتنا..
لا تنتظرونا..وجهتنا غير وجهتكم, لكننا نقولها من وسط الألم:عاش الملك..
