قبل التعليم يا سادة ... ماذا عن التربية؟؟؟؟ ...

قبل التعليم يا سادة ... ماذا عن التربية؟؟؟؟ ...

بوشعيب حمراوي

 

أثار الخطاب الملكي الأخير بمناسبة الاحتفاء بالذكرى الستين لثورة الملك والشعب جدلا كبيرا في الأوساط السياسية والتعليمية والأسرية...وفتح باب النقاش والتحليل على مصراعيه للمعنيين والمهتمين والعارفين والمتطاولين والرواد الغوص في المياه المتعفنة... واختلفت الآراء بين مؤيد ومعارض  ومادح ومنتقد و...  لما ورد في الخطاب الذي انصب على وضعية التعليم المتردية، وفشل حكومة عبد الإله بن كيران في إيجاد مخرج لها، وانتقد سياسة صب الزيت فوق لهيب المشاكل التعليمية، ومحاولات تصفية الحسابات الضيقة والاكتفاء بانتقاد سياسة الحكومات السابقة في التعليم، عوض الأخذ بإيجابياتها في هذا القطاع، والانكباب على مشاريع مستقبلية بديلة... لكن أهم ما يمكن أن يستنبط من محتوى الخطاب، أن الملك عازم على السهر شخصيا على قطاع التعليم، هو ما يعني أن حقيبتي وزارتي التعليم المدرسي والعالي، أو على الأقل التعليم المدرسي ستكون من حقائب السيادة... كما أن الخطاب وإن كان قاسيا على محمد الوفا وزير التربية الوطنية، الذي عاش يحتمي بالملك، إلى درجة أنه تخلى عن حزب الاستقلال، ورفض تقديم الاستقالة والاستجابة لأمين عام الحزب حميد شباط. وأجابه بأنه (عين من طرف الملك) في ضرب صارخ للدستور الجديد. فإن عمق الخطاب وأهدافه، لا تعني بالضرورة استبعاد محمد الوفا عن قيادة قطاع التربية الوطنية، الذي هو الآن غير (متحزب). بحكم ما اكتسبه من خبرة وتجارب. وأن ما ينقصه هو أن يلبس رداء القائد التربوي الذي يفترض فيه أن يكون مثالا في التجاوب والتعامل وأن يكف عن تنظيم (الحلقات)، وأن يحرس حركاته و لسانه، ويمنعه من الخوض في أمور غير تربوية، تضعه في مواقف سخيفة وانزلاقات لا تليق بوزير للتربية والتعليم. وعليه أن يعرف أن ما قام به منذ تعيينه وزيرا سياسيا، هي أعمال وقرارات كان بالإمكان أن يسندها لأي مسؤول داخل وزارته، في مقدمتهم كاتبه العام ومفتشيه ونواب التعليم ومدراء الأكاديميات، وأن عليه أن يسموا بأفكاره إلى مستوى التفكير في الرقي بالتربية والتعليم على مستوى الكيف، لا أن يلعب دور (الدركي) أو (المفتش) أو ... من أجل فضح أو الكشف عن اختلال ما داخل مدرسة أو نيابة أو أكاديمية... لأن تلك الممارسات وإن كانت جادة ومعقولة فإنها لا تدخل ضمن السلم الإداري الواجب احترامه، وتحبط مسؤولين آخرين، كان بالإمكان منحهم فرصة القيام بنفس تلك الممارسات. كما أن الخطاب الملكي الذي جاء فيه أنه لا يمكن أن تأتي كل حكومة بمخطط جديد لقطاع التعليم، وأن كل مخطط يتطلب سنوات للتنفيذ والاستفادة منه، وبما أن المخطط الاستعجالي الذي انطلق في وزارة اخشيشن سنة 2009، كان بيد المرأة الحديدية لطيفة العبيدة كاتبة الدولة المكلفة بالتعليم المدرسي في عهد حكومة عباس الفاسي، وأن المرأة وبشهادة كل من عملوا في كنفها، كانت مثالا للجدية والمثابرة، وأن أبرز ما أعاق تنزيل المخطط الاستعجالي، أن الوزارة كانت تسير برأسين، رأسي (اخشيشن الوزير المكلف بالتعليمين المدرسي والعالي، العبيدة المكلفة بالتعليم المدرسي)، وأن الاختلالات التي وقعت بالإمكان تشخيصها، وهي اختلالات لا علاقة لها بقيمة ومستوى المخطط، ولكن بمالية وإدارة المخطط،... كل هذا يرجح كفة لطيفة العبيدة للعودة من جديد من أجل قيادة وزارة التربية والتعليم، وضمان سرعة الإصلاح، وبحكم معرفتها بكل مضامين المخطط. فقد اعتمدت الوزارة عند وضعها للمخطط الاستعجالي على  عدة تشخيصات، في مقدمتها تشخيص المجلس الأعلى للتعليم الذي أصدر تقريرا في الموضوع سنة 2008، و حدد معيقات العملية التعليمية بالمغرب، يمكن تلخيصها في محورين. المحور الأول يتمثل في كون المدرسة المغربية لازلت لم تتمكن من استيعاب كل الأطفال في سن التمدرس الإلزامي والمحدد ما بين ستة و15 سنة، والمحور الثاني يتمثل في تدني مستوى التعلمات لدى التلاميذ مقارنة  بالدول الأخرى وخصوصا المتقدمة منها، والتي نطمح لمنافستها في عدة  مجالات.هناك دراسات وطنية ودولية حول مستوى التعلمات في العلوم والرياضيات واللغات بينت أن المغرب لا يحظى بمرتبة متقدمة في هذا المجال وعليه تم بناء المخطط الاستعجالي لمواجهة هذه المعيقات.  الكلام هنا للطيفة العابدة كاتبة الدولة المكلفة بالتعليم المدرسي في عهد حكومة عباس الفاسي، والتي أضافت أنه تم اعتماد ثلاثة مؤشرات للتمدرس  داخل المؤسسات التعليمية، وهي مؤشرات الهدر المدرسي ونسب النجاح ومستويات التعلمات. أتذكر ما قالته لطيفة العابدة في حوار أجريته معها عندما كنت أشتغل بجريدة المساء  في شهر دجنبر من سنة 2009، أن الوزارة الوصية تكلفت بملف البنايات المدرسية، لأن النيابات والأكاديميات لا تتوفر على القدرة التقنية اللازمة لإنجاز هذه المشاريع خلال الأربع سنوات المقبلة على مستوى الأقاليم والجهات، ولأن الوزارة  تريد أن تتركز جهود المسؤولين الاقليميين والجهويين والمحليين على الجوانب التربوية، وأن في الدول الأخرى  لا تقوم وزارة التعليم بانجاز البنايات، لأن وظيفتها تربوية صرفة، وتمنت العابدة أن تكون لدينا وزارة أخرى أو تكلف الجماعات المحلية، بإنجاز البنايات وتأهيلها، موضحة أن (القرب من الفاعلين التربويين يتطلب وقتا كبير، نصرفه في الإعداد لانجاز البنايات المدرسية والسهر عليها).     
شخصيا لا أرى في الخطاب الملكي أي تنقيص أو إهانة للحكومة عبد الإله بن كيران، أولا لأن الحكومة الحالية عالقة،بعد مرور سنتين فقط على توليها زمام القيادة، وهذا وحده كفيل بجعل الكل ينتقدها، إضافة إلى أنها تسير بدون حقائبها كاملة، بل إن وزير كلف بحقيبتين لسد الخصاص، والأكثر من هذا أن المغرب مقبل على فترة الدخول المدرسي والجامعي، وهي فترة حساسة بحكم حجم المشاكل السنوية التي تصادف التلاميذ والطلبة وتواجه أسرهم. وأن الفترة تستوجب حالة استنفار حكومية، فما بالك بفترة حكومة عالقة، وحقائب وزارية شاغرة، ووزير للتربية والتعليم  معلق هو الأخر بعد رفضه الاستقالة وتخليه عن الحزب الذي قاده لحمل تلك الحقيبة...  خطاب الملك يا سادة يقول إنه كان عليكم أن تستثمروا في نصف الكأس المملوئة، لا أن تقضوا الأيام تتحسروا وتنددوا بالنصف الفارغة...

أبنائنا وبناتنا ليسوا في حاجة إلى المكوث ساعات طوال داخل حجرات الدرس، لتلقي برامج ومناهج سخيفة...بل إلى وضع برنامج تربوي تعليمي ثقافي يمكنهم من التسلح بكل ما يضمن لهم الاندماج الصحيح في الحياة والشغل والإبداع و...هم في حاجة إلى برامج ثقافية وترفيهية ورياضية موازية داخل مؤسساتهم التعليمية، وفق حصص رسمية تفك الحصار على أدمغتهم التي نسعى بتعليمنا الحالي إلى جعلها اسمنت مسلح... هم في حاجة إلى تفعيل الأندية الموازية، وانخراطهم في التمثيل والغناء وكتابة الشعر والقصة والبحث العلمي الحر والرياضة والمشاركة في ندوات ومحاضرات تجعلهم في صل عالمهم الحقيقي. وتسليحهم باللغات الحية و... لكم أحزنني أن تواظب الوزارة على تحرير وبعث مذكرات وزارية تحث على تنظيم أندية موزاية ومسابقات واحتفالات بأيام وطنية وعالمية وأعياد وطنية ودينية و... مذكرات لا يجد التلاميذ والأطر التربوية حصصا لتنفيذ مضامينها، بل إن بعض المؤسسات تضطر إلى تنظيم أنشطة يستفيد منها عدد قليل من التلاميذ، في الوقت الذي يوجد فيه باقي التلاميذ داخل حجرات الدرس... أنشطة من أجل بعثها إلى الوزارة الوصية، لتفادي استفساراتها... نحن في حاجة إلى مؤسسات تعليمية حاضنة ومنفتحة ومتجاوبة، لا إلى بنايات بات التلاميذ والأساتذة يكرهون الولوج إليها بسبب ديكتاتورية البرامج التعليمية والمذكرات غير قابلة للإنجاز، وبسبب الانفلات الأمني والأخلاقي ... قبل التعليم ياسادة ... ماذا عن التربية ؟؟؟؟ ..... 

   

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة