من أجل دخول مدرسي نظيف

من أجل دخول مدرسي نظيف

اسماعيل الحلوتي

 

جرت العادة، إلى أن أمست لازمة ترافق مطلع كل موسم دراسي جديد، أن ترفع في وجه العموم يافطات مكتوبة بخط جميل على مداخل المؤسسات التعليمية، تحمل شعارات عباراتها منتقاة بعناية وروعة نادرتين، لايمكن الحصول على مثيلاتها عدا في أحدث مناهل التربية المعاصرة، يتغيى من ورائها مبدعوها،التستر على واقع الحال، ولفت الانتباه عما تزخر به البنيات التحتية من اختلالات عميقة.. تتعدد الشعارات وتتجدد، فيما يظل تعليمنا يرسف تحت أغلال التخلف، رهين سياسات عقيمة وفلسفات تجسد الفشل الفاضح في أبهى تجلياته...

  ولسنا نهدف من خلال ورقتنا المتواضعة هذه، الخوض في غمار معضلة تعليمنا التي حار كبار الدكاترة الأفذاذ، في كيفية المرور إلى مرحلة العلاج بعد ذلك التشخيص المضني الذي أرق المضاجع، وإنما نروم جهد الإمكان إثارة مشكل أضر كثيرا بسمعة مدرستنا العمومية، وبمعظم العاملين بها حتى أصبح جميعهم محط شبهة وريبة في نظر الآباء، الأمهات ،الأولياء وعموم المواطنين... ويعد في اعتقادنا، من بين أبرز العوامل التي أسهمت بجلاء في تدني صورة وخدمات المدرسة الوطنية، وأفقدتهاثقة المواطنين على اختلاف مشاربهم في مصداقيتها، ألا وهو استفحال ظاهرة الرشوة في أماكن لها حرمتها الأخلاقية وما لبث، إلى الأمس القريب، أصحاب الأخلاق الحميدة من ذوي النيات الصادقة وعفة النفس، يعملون بشتى الوسائل المتاحة وغيرها،على نشر الوعي في صفوف التلاميذ وتحسيسهم بعواقب ومضار الراشين والمرتشين في المجتمع، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تخلف، إضرار بمصالح الناس وهضم للحقوق.. ذلك أن بعض منعدمي الضمير، ممنأوكلت إليهم مهام إدارة وتسيير مؤسسات تعليمية، يستغلون نفوذهم ليس في تطوير أساليب عملهم لضمان حكامة جيدة، ترقى بمستوى المسؤولية الجسيمة الملقاة على عواتقهم، تحسين أداء ومرد ودية العاملين تحت إمرتهم، انضباط التلاميذ داخل وخارج مؤسساتهم،وإنما في ابتكار طرق ملتوية أقل ما يمكن أن نصفها به أنها وضيعة ومنحطة، من حيث استهدافها  فقط جيوب المواطنين الأبرياء الراغبين في نقل أبنائهم من مؤسسة إلى أخرى، دون أدنى اعتبار لما قد يحدثه ذلك من آثار نفسية سلبية على الآباء وأبنائهم، على سمعة المدرسة المغربية بكل مكوناتها وعلى العملية التعليمية التعلمية،وما قد يتولد عنه من اكتظاظفي مؤسسات دون أخرى، يفصل بينها أحيانا سور أو طريق  من مائة متر، مما يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ (فصول من 30 تلميذا وأخرى من 48 تلميذا إن لم يكن أكثر في بعض جهات المملكة).. هذه الفئة الفاسدة، ومن يدور في فلكهاتضع مصالحها الذاتية فوق كل اعتبار، لا تقيم وزنا لشرف المهنة ولا تمتلك مقدار حبة خردل من الخلق الحسن، اجتهدت مجتمعة حد النبوغ وفهمت أن ربط المؤسسة بمحيطها السوسيو اقتصادي،هو أن تستنبت بجوارها سماسرة اكتسبوا مهارات عالية في أسواق الانتخابات الجماعية والتشريعية خاصة من العنصر النسوي،  وأن تكلف من داخلها موظفين لا يحسنون من مهام سوى الاتجار في المقاعد وفي استجداء نقط المراقبة لمن يدفع ذووهم مقابل،خاصة بين المتمدرسين بالثانوي الإعدادي والتأهيلي، سعيا إلى ضمان ازدهار تجارتهم غير المشروعة، وتتجلى قمة المكر في لائحة الأسعار المحددة سلفا، انطلاقا من معايير واضحة: المستوى المرغوب، السن، الجنس، الجانبية الدراسية ( مكرر أو غير مكرر)...ومما يثير الاستغراب والفضول، أن المؤسسات تخضع لتصنيفاتمعينة حسب الطلب، لكل واحدة ما يميزها عن الأخرى: التسيب، ارتفاع نقط المراقبة المستمرة، الوسط ونوعية التلاميذ، التشدد في مراقبة الغياب والتخلف...وما يزيد في اتساع الدائرة أن بعض العاملين في المندوبيات الإقليمية والأكاديميات، يتحولون طواعية إلى مظلات تحمي هذا الانفلات الفادح واللاتربوي، حين ينخرطون بدورهم في ترسيخ مثل هذه الممارسات المشينة، مستغلين مناصبهم وهواتف المصالح المنتمين إليها...

   ترى أين اختفى ذلك الشعار الذي رفعته حكومة السيد: عبد الرحمان اليوسفي الداعي إلى تخليق الحياة العامة؟ إن من أوجب الواجبات على مدارسنا التعليمية العمل على غرس بذور قيم المواطنة الحقة في أذهان ناشئتنا التي سترفع المشعل من بعدنا في السنوات القادمة، المتمثلة أساسا في محاربة كل مظاهر الفساد التي تحط من كرامة الأشخاص وتلوث سمعة البلاد والعباد. وقد قال عز من قائل في سورة البقرة الآية: 188:" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون." صدق الله العظيم. فليتمعن أولئك الذين يسعون إلى تأمين رسوم دراسات بناتهم وأبنائهم، أو قضاء مآربهم الشخصية علىحساب أبرياء لاحول ولا قوة لهم سوى أنهم أرادوا إرضاء أطفالهم، في توفير مقاعد دراسية  بمدارس قريبة من مقرات سكناهم أو لضرورات ملحة، في قوله تعالى بدل الإمعان في قهر الناس وإثقال كواهلهم بمصاريف خارجة عن إراداتهم وعن واجبات التسجيل وإعادته و جمعيات آباء وأولياء التلاميذ. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لعنة الله على الراشي والمرتشي والرائش ".. من هنا يتبين إلى أي حد أن الرشوة من أبغض الموبقات التي يلعن الله أصحابها كافة: الراشي والمرتشي والسائر بينهما أي الرائش،وإن كان دافع الرشوة مكرها على ذلك..

 

 فعلى مجالس التدبير "المنتخبة" في المؤسسات التعليمية أن تبادر إلى التصدي للظاهرة بكل قوة، وتعمل على اجتثاث جذورها، بدل اعتماد القلب وسيلة لتغيير المنكر القائم، في زمن لم يعد فيه للمتملقين والضعفاء مكان بيننا ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس..ولا يجوز شرعا وقانونا في ظل حكومة مرجعية غالبية مكوناتها "إسلامية"، أن يتم غض الطرف عن مثل هذه السلوكات التي تبكي العيون وتدمي القلوب، سيما والكل على دراية كاملةبالأوضاع المادية المزرية للأسر، وإلا كيف يمكن تفسير دعوة وزارة التربية الوطنية المسؤولين إلى نهج أسلوب المرونة في استخلاص واجبات التسجيل، لمن حالت ظروف ما دون تسديد الواجبات في بداية شهر شتنبر، لأجل ذلك كله، تقتضي الضرورة القصوى إيجاد آليات صارمة للمراقبة وزجر المخالفين للقانون، وإن لزم الأمر اعتماد جهاز محايد، في السهر على تنظيم عملية قبول التلميذات والتلاميذ الراغبين في الانتقال من مؤسساتهم الأصلية إلى أخرى، وفق مقاييس مضبوطة في جو ديمقراطي وشفاف، يكفل حقوق المشاركين دون تحيز أو تمييز، حرصا على طهارة مدارسنا وتشذيبها من الطفيليات التي أساءت إلى فضاءاتها...فهل من استجابة؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة