أيقونة الباحثين سعيد الكحل... وحيد زمانه الذي جاء بمالم يأت به الأوائل من العرب والعجم

أيقونة الباحثين سعيد الكحل... وحيد زمانه الذي جاء بمالم يأت به الأوائل من العرب والعجم

نورالدين الطويليع

 

         على شاكلة إعلاميي الانقلاب المصري أصدر الكاتب المغربي سعيد الكحل ،الذي بزغ نجمه فجأة كباحث في شؤون الجماعات الإسلامية كما تطفو على حين غرة قطع الفلين فوق الماء الراكد، فتوى سياسية تكفيرية استئصالية تحرم مخالفة أولي الأمر بالسعودية والإمارات ومصر، وتعتبر انتقادهم كبيرة من الكبائر التي تستوجب الحكم على صاحبها بالردة السياسية وإعدامه سياسيا بإبعاده عن دوائر القرار ودحره اعتمادا على قاعدته الفقهية الذهبية "المصالح العليا للوطن" التي استلهمها من أساتذته فقهاء الإعلام الانقلابي الذين حفظ عنهم بإدمان المشاهدة والاستماع المنبهر ابتكاراتهم الفقهية بهذا الصدد على شاكلة "المصلحة العليا للوطن" و "الحفاظ على الأمن القومي للبلد".

         فبعد إسهاب في الحديث بأسف شديد عن الإساءة التي سببتها حركة التوحيد والإصلاح، الجناح الدعوي لحزب العدالة والتنمية، بما سماه تبنيها لورقة الشيخ أحمد الريسوني المنتقدة لحكام السعودية والإمارات، حمل مسؤولية هذا النشوز لأطر الحزب، مذكرا إياهم بأن جريرة زملائهم في الحركة تدينهم، معتبرا إياها من نواقض المشاركة في الحكومة التي لا يجدي فيها غسل ولاوضوء، ولا توبة ولا أوبة، وتتطلب تطبيق حد الرجم القانوني والسياسي والإعلامي عليهم إلى حين الإعلان الرسمي عن الوفاة السياسية لكيانهم، يقول السيد الكحل:""إن هذه المعركة التي يخوضها إخوان المغرب ضد مصر والسعودية والإمارات تستوجب إقالتهم من رئاسة الحكومة دفاعا عن المصالح العليا للوطن"".

         هذا الخلط في الربط بين ماهو حزبي وحركي وحكومي يعبر عن سطحية في التفكير وبساطة حد الإسفاف في عرض القضية، وأظن أن الرجل لا يخفى عليه أن مواقف أي حزب في العالم لا تعبر بالضرورة عن الموقف الرسمي للحكومة التي يقودها سواء بمفرده أو متحالفا،ونحن لاحظنا كيف حاولت حكومتنا ممثلة في وزارة الخارجية  مسك العصا من الوسط ، مكتفية بالتعبير عن الأسى والأسف، دون أن يرد في بيانها اليتيم ما يستشف منه إدانة أو شجب للسلوك الانقلابي، وهذا يجعلنا نعتقد أن باحثنا أعماه الحقد على الفصيل الذي ينتقده، فجعل يخبط خبط عشواء في دنيا التحليل السياسي، دون أن يتمكن من امتلاك البوصلة القادرة على إرشاده وتوجيهه التوجيه الصحيح، وقد كان بإمكانه أن يتصرف بطريقة أذكى فيدثر كراهيته له بالتحليل الملموس لواقع الحكومة التي يقودها من خلال الحديث عن إخفاقاتها وعدم قدرتها على الذهاب بعيدا في محاربة الفساد أو الحد من ارتفاع الأسعار، والقائمة طويلة، ليهيئ الرأي العام للانتخابات القادمة، مع الكف عن العزف الفج على وتر الإقالة، أو بمعنى أصح الإطاحة، لأن الذي يطيح ويقيل في الديمقراطيات العتيدة هو الشعب عبر صناديق الاقتراع من خلال سلطة التصويت العقابي، ونحن نقرأ يوميا لباحثين وكتاب ومفكرين مناهضين للحكومة، تحظى مقالاتهم بإقبال كبير بسبب تحليهم بالعلمية في عرض الحقائق، وتجنبهم إصدار الأحكام الجاهزة، أو الإفصاح عن العداء المجاني بكلمات وتعابير لا تمت لمنهجية الكتابة النقدية بصلة، تاركين المجال للقارئ لاتخاذ الموقف المناسب سواء بالإيجاب أو السلب، احتراما لعقله ولقناعاته، لا كما يفعل السيد الكحل الذي تسيطر عليه هواجس انقلابية تبعده في كثير من الأحيان عن صلب الموضوع وتجعله يخوض في التفاصيل المملة لاستدراج أكبر عدد من القراء.

         وفق هذا المنظور يتصرف باحثنا وفق رؤية شخصية ضيقة جدا تدخل في سياق تصفية الحسابات، وهذه مصيبة عظمى وجريمة في حق البحث العلمي الأكاديمي الرصين، وحتى إذا افترضنا سلامة طوية الرجل وتجرده من الذاتية  في موقفه هذا فالمصيبة أعظم والبلية أشأم والخطب أجل، لأن فتواه هذه تؤسس لثقافة الانبطاح والتسول والخضوع للإملاءات الخارجية والتخلي عن مبدإ السيادة الوطنية، والحرص على التقرب إلى من يسميها دولا داعمة للمغرب بنوافل الاتباع والطاعة وكتم أنفاس الشعب حتى لا يصدر عنه ما يسيء إليها من قول رجيم.

         وبناء على هذه الرؤية "الكحلية" يجب حل كل الأحزاب التي نددت بالانقلاب، وحجب المواقع الإلكترونية وحظر صدور الجرائد التي تستنكر مذابح الانقلابيين وتندد بدعم السعودية والإمارات لهم، ويدخل في هذا الصدد اعتقال شباب مدينة تطوان لتطاولهم على القائد العسكري المفدى، ورفضهم مجاراة مبعوثته شيرين في رد تحيتها إليه بأحسن منها، وتأكيد اتهام وائل الأبراشي لنا بالصهاينة، قائلين صدقت ياحبيبي، فالألسنة التي لا تجيد التسبيح بحمد حكام أم الدنيا الجدد ألسنة صهيونية جديرة بالقطع.

         وإجراء الحل نفسه  ــ حسب فتوى السيد الكحل ــ يجب أن يطبق على الأحزاب والنقابات والجمعيات الحقوقية والمنابر الإعلامية التي تندد بالتدخل الخليجي في الشؤون الداخلية السورية، لأنها بفعلها هذا توقعنا في عقوق أولياء النعمة من الأشقاء العرب، وتعرض مصالح الوطن للخطر!!!!

         كما أن فكرة الانقلاب التي ألهمت السيد الباحث فمنى النفس باستنساخها في المغرب تستدعي حل الجيش والشرطة لأن عقيدتهم لا تؤمن بالانقلاب ولا تباركه، ولا تسمح لها بحشر الأنف في العمل السياسي وفق "المصلحة العليا للوطن" كما أسسها ووضع قوانينها السيد الكحل.

 

         نتمنى صادقين أن يعود السيد الكحل إلى جادة الصواب، وأن يكف عن الاستمرار في قلب الحقائق في تدخلاته عبر القنوات الفضائية المغربية، حتى يوفر على إعلام البلد جلب سبة التخلف والسطحية وغياب المهنية في معالجة القضايا من لدن أعداء الوطن، لا سيما وأنه يقدم كباحث في شؤون الإسلام السياسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة