مقابلة عجيبة
سعيد المودني
الليل يقابله النهار، والنور يقابله الظلام، والبياض يقابله السواد، نعم هذه مقابلات متعارف عليها ومستعملة بطلاقة في حقول واسعة من المعرفة الإنسانية. لكن ماذا يقابل الحداثة، في نفس الحقل المعرفي على الأقل؟ قد يقول قائل: "القدامة"، وقد يقول آخر: "البلاية"، وثالث: "الرثاثة"، وهي على كل تحافظ على المعنى والوزن، فنعتبرها ابتكارا وتوليدا ونحتا لغويا. لكن ماذا نقول لمن يقابل الحداثة بالأصولية؟ أية لغة هذه؟ بل أي علم إنساني هذا؟ اجتماعي كان أو غيره؟
إن الحداثة مشتقة من الحدث، أي الواقعة والطارئ، ومنه الحديث أي الجديد الذي لم يكن موجودا من قبل. فتعني الحداثة، من ضمن ما تعنيه، تحديث المجتمع وعصرنته في شتى واجهات حياته السياسية والاقتصادية.
أما الأصولية فهي مشتقة من الأصل، أي المنبت والمنبع والمنطلق، وهو بهذا المعنى، لا يناقض التحديث والعصرنة. فهل يستلزم الأمر أن تنسى أصلك أو تتخلى عنه لتصبح حداثيا؟ لا يقول بذلك إلا جاهل أو أحمق. والأدلة أكثر من أن تحصى وأكبر من أن تنسى، سواء ذاتيا أو كونيا.
فبالنسبة لذاتنا، تعالج المسألة من زاويتين، تخص الأولى الجانب التنظيري وتخص الثانية الشاهد التاريخي. نظريا لكي يقف الأصل عقبة في وجه التحديث، يجب أن يتضمن هذا الأصل نصوصا وقوانين تمنع البحث والاجتهاد والابتكار خوفا من وقوع الحدث، فتكرس بذلك الجمود والتحجر و"التصنم". والواقع أن أصحاب هذه المقابلة العجيبة لا يستطيعون أن يأتوا بمثال لهذا ولو اجتمعوا له وكان بعضهم لبعض ظهيرا. أما الشواهد التاريخية فيكفي أن يُذكر أن الحلقة الأقوى لمساهمة هذه الأمة في مسيرة تراكم الحضارة الإنسانية كانت أيام عزة الأصل! فكان الحدث الذي نفع الناس في الأصل ولم يكن عند عديمي الأصل الذين أحدثوا بالمقابل الزبد.
أما كونيا، فإن اليابان، والصين، والجرمان وغيرهم لم يتخلوا عن "سنة مستحبة" واحدة من أصولهم وثقافاتهم لكي يصلوا إلى حداثتهم التي هم عليها اليوم. بل إن خلفياتهم تلك شكلت لهم سندا وعونا وأعطتهم دفعة اكتسبوا بواسطتها سرعة الانطلاق التي يحتاجها الجسم الساكن. أكثر من ذلك هم اليوم ينقبون عن أصولهم وأصوليتهم وما يمايزهم أكثر ما ينقبون عن المعادن الثمينة!!
لا غرابة في مواقف حداثيينا، فحداثتهم ربما تكون من جنس "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة..."، أو ربما تكون، على حد قول زميل لي، من أحدث بمعنى خرج من أحد سبيليه، أو منهما معا، شيء ولو ريح على أقل تقدير، وفي هذه الحالة، ومما يعرف من الدين بالضرورة، لا تصح صلاة أحدهم حتى يتوضأ، ومن جهة أخرى يجب فتح النوافذ ليتمكن التيار الهوائي من إزالة التلوث المحدث جراء تلك الرائحة القذرة الصادرة عن بالغين، وهذا أيضا على أقل تقدير.
إن الحداثيين هؤلاء، لو وضعوا أدمغتهم(إن وجدت لهم) في جماجمهم، وترفعوا عن عنادهم (والعناد أول الكفر، كما ورد) وقاوموا استلابهم ومتاجرتهم(وأغلبهم متاجرين) وتغربهم، لوجدوا أن الإنسانية عاشت أكثر فترات حياتها أمنا واطمئنانا وتسامحا وسعادة ورغدا... أيام سيادة دولة الأصوليين من أقصاها إلى أقصاها زمانا ومكانا، أغلبية وأقليات، مؤمنين وكتابيين وكافرين...
أي نموذج نظري أو واقعي يقدمه هؤلاء المحدِثون في ثيابهم؟
من الشرق الذي ما عمرت دوله سنوات معدودات حتى قتلت ملايين غير معدودة من البشر وشردت وسجنت وعذبت أكثر من ذلك؟ أم من الغرب الذي لازال العالم أجمع يكتوي بناره المؤججة يوما عن يوم: نعد القتلى في الفطور والغذاء والعشاء، ويدفنون بالجرافات، وهم يكسبون دولارات الرهان على البشر كما يكسبها المقامرون الطايلانديون على ديكتهم، ويتبادلون الأدوار في التهييج والتأجيج؟
النموذج المنتصر لحفنة من القتلة وأفراد العصابات، الفاسدين المفسدين الممسوخين، جاعلين منهم الحق بعينه أينما حلوا وارتحلوا(وليس مجرد دليل عليه) على حساب هذا العالم المقهور المحقور؟
النموذج الذي أسس دولة مغتصِبة ب"قانون" أعلى سلطة دولية؟
النموذج المورث للأمراض الخبيثة الناشر لها دون رحمة، المشتغل بتهريب السلاح والمخدرات والرقيق والأعضاء البشرية، ثم يبيعون القرد ويسخرون ممن اشتراه بإبرام الاتفاقيات الدولية لمحاربة ذلك، كشرطة الخمر: رخصة البيع، مسموح الدخول، القبض على من اشترى أو سكر!! وكأنهم يدخلون لقيام الليل!
النموذج السارق لثروات الشعوب من بترول ومعادن نفيسة وألماس وغابات...؟
النموذج الذي تنمو أرصدة أصحابه البنكية الربوية الفاحشة بدماء المستضعفين في الأرض؟
النموذج الذي يدعم ويؤيد جزاري الشعوب ثم يعقد المؤتمرات لتوزيع الديمقراطيات بالمجان؟
النظرية التي لا ترى في العالم منذ بدايته إلى نهايته إلا صراعات حتمية بين بني البشر، ثم تنتهج الإبادة باسم الدفاع عن المقهورين؟
النظرية التي لا ترى في الإنسان إلا خدما لأصحابها، ينمي ثرواتهم وينفذ مطالبهم ويلبي رغباتهم... لأنهم أسياد؟
نعم، نحن لا نعول على عدونا لإنصافنا، وهو على كل حال لا يلام في إيلامنا ما دمنا أعداء، ولكن يجب أن يبقى هو العدو، ولا يجوز لبني جلدتنا أن يصوروه لنا غير ذلك، وأن يخلقوا لنا أعداء وهميين من أنفسنا. فتشخيص الداء نصف العلاج، وإذا أصيب العضو بالمرض المستعصي وجب بتره، ولو على مضض.
