لنا في هذا العهد الرديء حكومتان
أحمد الإدريسي
حكومة " كركتيراتية " تعمل من وراء ستاريُخفي تأثيرها على مجرها الأحداث وآثارسطوتها وجشعها الذي استحلب الضرع وتمادى الى امتصاص الدم . وحكومة " كومبارسية " في الواجهة تلعب - وفق مقايضة متفق عليها سلفا - دورالمنقذ الذي يستدرج الناس إلى أماني وهمية تغوي بالكلام المعسول وتكرس مقولة " قولوا العام زين" المزيفة حتى يظل الشعب مغيبا في سباته الكهفي ، فلا يدرك ما يَؤُل إليه مصيره ، ولا يشعر بسوس الفساد والإستبداد ينخرجسد مجتمعه الذي يقتضي من حكومة الكومبارس وفق (مرجعيتها الإسلامية ) انه إذا مرض منه جزء ، تداعى له باقي الجسد بالسّهر والحمّى !
والإسلام دين الحرية والعدالة والكرامة.. لكن ما نعيشه الآن أحطُّ أنواع العبودية والظلم والإحتقار.. وللأسف أن معظم ما في عبودية هذا العهد الرديء يتمُّ باسم الإسلام ، وتحديدا ممن يُفترض بهم أنهم أهل الدعوة للدين الإسلامي الحنيف دين التحرر والإنعتاق لا الإستعباد والإسترقاق!.
ليس من عدل الإسلام الذي جعل الناس سواسية كأسنان المشط ، أن تظل لعنة البؤس والتفقير تلاحق فئة عريضة من الشعب في موطنها الأصل ووطنها الأم ، فلا تجد هذه الفئة سكنا لائقا يقيها حرالرمضاء أو قرليالي الشتاء ،وتعليما لا يخرِّج طوابير العاطلين عن العمل ، ثم خدمة طبية لائقة تجبر ما تبقى من صحتها المهترئة. وحصانة تكفل حقها في التعبيرالحر بعيداً عن سياسة الترهيب والتخوين وتسليط الشرطة كي تنهال عليها بالهراوات وتقدم بعدها الى قضاء غيرنزيه يلفّق التهم الجاهزة !
وفي المقابل تجد مظاهرالبذخ والترف يستأثر بها قلة وتستحوذ على تاريخ البلد وجغرافيته الموغلة بفائض ثرواتها من فلاحة وملاحة وسياحة ومعادن .. لو وزعت بالقسط لوسع منسوبها حتى الحيوان .. لكنها الزابونية تُبْقِي موائد أكابرالقوم وعلية الهرم زاخرة بما لذ من طعام وعَذُبَ من شراب ، ولن يفرح غيرهم من عامة الشعب في أغلب وجباته بغير"الخبزالحافي والشاي الدافي " !
رحم الله عهدا مضى ، كان الراعي في بلاد الإسلام يعاني شظف العيش وشدة الفاقة قبل ان تعانيها رعيته ، ويٌؤْثِرعلى نفسه ولو أَنَّ بها خصاصة ، وفي وقت الرخاء يقتسمها رغيف الخبز، وطعام القِدْرَ، وقطعة الثوب ، وأطراف الإبتسامة بأمن وأمان ورضا . رحم الله عمرالذي سمع بطنه تتضور من ألم السغب عام الرمادة فخاطبها قائلا : " قرقري أو لا تقرقري والله لن تشبعي حتى يشبع أبناء المسلمين "
واليوم في عهدنا الرديء يتاجر في الدين من نُصِّبُوا زورا وبهتانا على أنهم هم وحدهم المرجعية والسند ، فحثوا الناس ودفعوهم إلى الرضى بالجوع والقهروالخنوع باسم وجوب الطاعة ، و دُفِع الناس إلى الإستئناس بالحياة في جحيم الإسستبداد والعبودية التي باتت واقعا معاشا لا علم لهم بموعد انتهائه، وكل العِلم في أجندة من خطط ومن تآمر ومن يخدم من وراء الستار ومن وضع في الواجهة ليجسد الدور .
وحتى يقطع حبل التلاحم الذي يفترض أن يبقى متينا بين افراد الشعب ، قسّموا أهل الإسلام سني وآخر شيعي ثم جزؤوهم الى سياسي ودعوي وسلفي وإخواني وجهادي وقاعدي ... لكل منهجه وطريقته في التصور والرؤى وفي الحياة والصلاة ، وغرسوا في نسيج خلايا كل طائفة فيروس الاحتكار وادعاء المعصومية، وكأن السبعين فئة هي السبعون فرقة المتناحرة التي لا تنجو منها غير واحدة! و نسي هؤلاء الإخوة المتناحرون المتفرّقون، أن الإسلام جاء ليوحد أبناء آدم في الأرض، وليس فقط أبناء البيت أو الحي الواحد. وتناسوا وهم يتلون الكتاب ان الشعوب والقبائل جعلت للتعارف وليس للتخالف .
وحتى يُخْتَطَفَ عامة الشعب ذهنيا فيستسلموا استسلام البهائم لتنفيذ المخطط، ، ساهموا في خلق عدو شبه وهمي سموه الإرهاب ، في حين أن أشد خطورة في أنواع الإرهاب - ونحن نقربأن الإرهاب أيا كان ، جريمة نكراء ينبذها كل انسان سوي و ليس ثمة نقاش في تلك الحقيقة خصوصا في ظل دين يحذران قتل نفس بغيرحق كقتل عدد من الأنفس يصعب حصرها - من يتوعد الإرهاب بالمطاردة والإجتيات وهو أكثر من يرهب و يقتل ويشرد ، ويعمق هوة التخلف ، ويؤسس للتراجع وتدميرالإقتصاد والمستقبل .
وعند مثل هؤلاء لو لم يوجد الإرهاب كذريعة لصنعوه بأنفسهم ، فبه يحيون وبدونه لا يبقون. لهذا فإننا في حاجة إلى قراءة جادة للواقع كخطوة أولى من أجل استعادة الوعـي المغيب فنعرف أولا ونعترف بعدها بعدونا الحقيقي الذي يعمل متخفيا ، يتاجر دوماً بقضايانا المصيرية من أجل ان يبقى مهيمنا ومسيطرا على رقاب الناس
