صراع الأعداد: الكمّ المغلوب

صراع الأعداد: الكمّ المغلوب

سعيد المودني

 

كلما أثيرت مسألة للنقاش في الساحة الوطنية حول ما يتصل بالهوية الحضارية للشعب المغربي إلا ووجدت تيارين متقابلين يتجاذبان الموضوع ويعبران عن رؤيتين متضادتين, وهذا أمر طبيعي، وطبيعي كذلك أن يكون أحد الرأيين وأحدهما فقط صائبا ما دام أن الضدين لا يرتفعان ولا يجتمعان.. ولكن الغريب أن التيار الغالب -من حيث الكم- يكون دائما، ودون استثناء، هو الأقل تأثيرا!!

ينبري أحدهم للبروز والإبداع في مجال الفكر فلا يجد أقرب ولا أسهل ولا أفعل من تجرأ على رمز عقدي مقدس،  فيشرئب شعب برمته للتنديد به وشجب فعله... عبر إنتاجات فكرية وتعليقات "تواصلية"ووقفات احتجاجية... ولا تجد نسبة مؤازريه -عبر كل المنابر المذكورة- تتجاوز موقع الفاصلة في أجزاء المئة!

في المقابل، يكتب الآخر رسالة -يتكالب الخصوم لتصويرها على أنها مس بالحريات، أو ربما تهديد للسلامة الجسدية لأحدهم- فيتنادوا مصبحين ولا يستثنون طمعا في حشد جمهور مؤيد وتأليب لرأي عام افتراضي، ولا يحصدون سوى الفواصل المومأ إليها أعلاه، مقابل قاعدة من المؤيدين والمدافعين عن المنشور الموضوع!

فهذه "عصائد" عصيد اقرأ تعاليقها المع والضد، وتأييد كلا النوعين(الحمد لله أن التقنية قد أتاحت إمكانية التوفر على إحصائيات نوعية دقيقة)، وهذا "الكرموس الهندي" يزيدك تيقنا(والأرشيف لا يمحى)... وأحسن مثلين على الإطلاق هما "قنوات-_نا" و"موازين_-نا".. فبإمكان المتتبع للنشر المتعلق بهما أن يحسم أمره في عجالة في ما يتعلق بموقفي "الكمّ المغلوب" و"الأقلية المتحكمة" منهما!!

قنوات يعارضها الجن والإنس والخلق أجمعين.. ومع ذلك تصر على عرض المنبوذ، في تحد سافر ومباشر لإرادة الكمّ من طرف ثلة من المستثمرين المغربين! أين الديمقراطية وحكم الأغلبية؟؟

قوس يفتح لموازين بصفة خاصة مفاده أن الاعتراض عليه يكون بدواع ثلاث:

أولا: التوقيت المتزامن مع الامتحانات، وممكن جدا تغيير توقيته ما دام لم يرد فيه نص، غير أنهم لا يفعلون لسبب بسيط وهو أنهم يعلمون أن المسألة مسألة عض الأصابع، بحيث أن من يبدأ بالتنازل لا يتوقف.

ثانيا: التمويل، لأنه حتى المؤسسات التي تموله جزء كبير منها هو من أموال الشعب.

ثالثا: المسألة الأخلاقية، وبخصوص هذا السبب بالضبط، يجيب القائمون على النشاط بأن للمهرجان جمهوره وعاشقوه.. وهذا صحيح، ولكن بهذا المنطق يجب أن ننظم مهرجانا للجماع المباشر ما دام هو أيضا له جمهوره ومحبوه!! ثم أين هو هذا الجمهور الذي لا تكاد تجد له مقالا مدافعا، ولا تعليقا مضادا على منشور مناهض، ولا حتى مساندة لتعليق مع، أو رفض تعليق ضد؟؟

مغالطة يتم تسويقها عبر التحاجج بعدد الحاضرين، وهي كذلك لأسباب: الرقم المعلن ليس ضروريا أن يكون صحيحا، من جهة أخرى، العدد ذاك مع اعتبار صحته يشمل سكان البلاد كلها، وبهذا الاعتبار، فإنه يشكل كمّا قابلا للإهمال، ومن جهة ثالثة توفير التسهيلات(النقل، التغذية...) ، بل والإغراءات، تغري عديدا من العامة للاحتشاد، تماما كما هو الشأن بالنسبة لعمل السلطات المحلية في توفير البهرجة للمسؤولين، أو أحد الأحزاب في توفير المؤانسين للقيادة في تظاهرات فاتح ماي 2013، بحثا عن شرعية حالمة أو قوة مفقودة..

إني أتمنى أن أجد من يدافع عن هذه الموجودات(القنوات وموازين) من الطبقات الشعبية العريضة عبر المنابر المتاحة المتداولة على الأقل حتى نتبين طريقة حجاجهم وأسلوب استدلالهم... لكن الخيبة تتحقق بالغياب التام حد "التبخر"!

أين المشكل إذن، وقد كفى الله المواطنين شر الجدال؟

المشكل أنه في مقابل الوابل الصيب الشعبي غير المؤثر على أرض الواقع، هناك أقلية قليلة تجني الثمار بحضور بركة لا تؤمن بها أصلا!! مما يطرح سؤالا مبدئيا عن غياب الديمقراطية بمفهومها الكمي التمثيلي في هكذا مؤشرات قياس دلالية، وحضور تأثير عصبة غائبة فعليا عن الساحة الشعبية.. وكأننا أمام مظاهرة سلمية لأمة من الناس مقابل زمرة من رجال القمع المدججين بالأسلحة، بحيث لا يمكن أن تتغلب كثرة السلميين على قوة المتمكنين!

القياس ممكن على تمثيلية وتأثير بعض التيارات السياسة كمسألة الإسلاميين والعلمانيين مثلا.. فاستنادا إلى ما سبق، لا يمكن بأي حال من الأحوال -استنادا إلى القاعدة العامة البديهية المسلم بها التي تفيد بتأثير أو غلبة الأغلبية- تفسير حضور الأولين وإنجاز الأخِرين(دائما مرجعية الإنتاجات المؤيدة للجانبين، والتعليقات والتعليقات المضادة، وتأييد كلا نوعي التعليقين... كلها متوفرة ومحفوظة في جل المواقع الصحفية والفكرية والسياسية... وكذا عبر المظاهرات والمسيرات والفعاليات الشعبية في الاتجاهين)

 

نفس القياس يمكن سحبه على العلاقة التناسبية العكسية في الساحة السياسية بين الأحزاب ذات القواعد الشعبية العريضة، وقوة نفوذها وتحكمها وثقل وزنها، بالمقارنة مع الأحزاب "الإدارية"، أو أحزاب اللوبيات المتنفعة التي تشكل غالبية الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة..

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة