مباراة تشكيل الحكومة في نسختها الثانية

مباراة تشكيل الحكومة في نسختها الثانية

أحمد الإدريسي

 


 لا يجوزتشبيهها بمباراة شطرنج ، لأن الأحزاب المشاركة فيها لا تملك هامشا من حرية الإختيار يدفعها إلى تحريرأنسيجتها وأدبياتها ومواقفها من الخطوط الحمراء التي وَََقََّّعَت على عدم تجاوزها قبل استلام وصل الترخيص ، وبالتالي فسح المجال للعقل كي يتأمل بما فيه الكفاية لوضع القطعة المناسبة في الرقعة الأنسب. وليست مبارة لكرة القدم لأن المشاركين ليسوا فريقين فقط ، وبعددين متساويين أحدهما جمهوري والثاني ديمقراطي كما هو الحال في الدول الديموقراطية . 

بل هي مباراة لها من المواصفات الشاذة ما يكفي لظفرها بلقب ثامن عجائب الدنيا ، فتشكلتها لا تتعدى طرفان ، طرف تمثله الدولة العميقة اوما يصطلح على تسميته " دارالمخزن " وفي هذه الحالة هي المرمى ، وطرف ثاني هو خليط من الأحزاب المختصمة على كل تفاصيل المبارة تحت عنوان واحد هو الهدف ، الذي لا يجب أن يدخل مرمى دارالمخزن ، لذالك فهي تتموقع في منطقة الجزاء لتؤدي كلها وبدون استثناء دورحارس المرمى المدافع عن مصالحه واستراتيجياته بكل جهد ورح قتالية المخفي منها أضعاف المعلن ، والظاهر من كواليسها أقل القليل الذي يسمح للإعلام رصده ،قصد توهيم المشاهد والمتتبع بأن المبارة تسير وفق مسارها الطبيعي الذي يتطلب ميدانا وهجوما ثم دفاعا.

 وحين تكون المبارة من هذا النوع الذي يتطلب التشكيل في نسخته الثانية فقط ، حيث لا يحتاج فيه اللاعب الى عدد محدد من الأصوات ليصبح مؤهلا لخوض المبارة من جديد كما هو الشأن في انتخابات جديدة سابقة لأوانها ، بقدر ما يحتاج الى صك " غيرالمغضوب عليهم ولا المخالفين" الموزع من طرف ولي النعمة قصد التأهل للدورالثاني ، فإن لكل كلمة أو تصريح أو إجابة عن سؤال يعقدة الراغب في التأهل في مؤتمر صحفي أومحاضرة أو حتى لقاء عادي ، حدودها ودلالاتها الدقيقة التي تصب في خدمة الدولة العميقة ، حتى لا يترك مجال للتأويل خصوصا وان عملية الإنتقاء نقترب من ربع الساعة الأخير الذي يتحدد فيه المؤهلين ، خصوصاً والوضع مغاير حيث بدأت تظهر بعض التهم الفريدة من نوعها من قبيل الأخونة نسبة الى الإخوان ،والتي يضيق فيها الهامش بحيث لا يعود هناك خيار ثالث غيرالإنسلاخ منها انسلاخ الثعبان من جلده ، اوعدم التاهل للدورالقادم للمباراة ، وهذا ما دفع عبد الله بها نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ووزير الدولة بدون حقيبة أي "بدون مؤهلات تخول له خوض المبارة من جديد " في حكومة عبد الإله بنكيران ، إلى التشبت على ما سماها الخصوصية المغربية في حل المشاكل ، مُبديا في كلمة شارك بِها الجمعة الماضية في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني لمنظمة التجديد الطلابي ، اعتراضه التام على رفع المؤتمرين لشارة رابعة العدوية ، حيث لا ينبغي أن تنقل مشاكل مصر إلى المغرب حسب تعبيره. ومبينا أن المغاربة لهم القدرة على حل مشاكلهم بأنفسهم وبطريقتهم التي سماها " المَغربة" والتي يجب المحافظة عليها في جو العولمة الكاسح لكل مجال . ولست أدري هل نَسِيَ أو تَنَاسى حكيم حزب لامبة وهو ذو المرجعية الإسلامية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف : "  من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء ، ومن لم يتق الله فليس من الله في شيء ، ومن لم يهتم للمسلمين عامة فليس منهم " . ولست أدري كيف ان عمرابن الخطاب رضي الله عنه كان يحمل هَمَّ سقوط بغلة في العراق قبل تعثرها ، وصاحبنا يتبرأ من أرواح مسلمين وليسوا اناس فقط ! 

أم أنَّ حكيم حزب العدالة والتنمية كما يحلوا للمعجبين البيجيديين تلقيبه ، أصبح يسيرعلى خطى ونهج رفيقه في الحكومة وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية" أحمد التوفيق " الذي مَغْرَبَ دين محمد صلى الله عليه وسلم - الذي بعث برسالة للعالمين ،واحدة وموحدة لاتقبل الفبركة والتجزيء - فدعى المغاربة في قبة البرلمان بعدم تجاوز خصوصية الإسلام المغربي ! ومن يدري قد يطل علينا مرة أخرى هو أوغيره ،ليخوصص الإسلام أكثرفيجزئه حسب الجهات والأقاليم فتظهرمصطلحات من قبيل الإسلام الحوزي نسبة الى اقليم الحوز، والإسلام الشراردي نسبة الى اقليم الشراردة. والإسلام الطنجوي وهكذا دواليك...!

 لكن الغريب في الأمران مفردة " المَغربة" في أماكن أخرى تتقمص معنى مناقضة وتأويل مخالف لما ذهب إليه الرجلان ، بحيث تصبح هذه المفردة مرنة وقابلة للتمدد والإتساع بشكل يصعب السيطرة على قليصه خاصة في الملتقيات التي تخدم أجندة الدولة العميقة ، مثل مهرجان موازين .. تحمل المفردة مدلولا يعني أن المغرب بلد انصهارالثقافات وأرض التسامح والتعايش والإندماج والإنفتاح على الآخروتلاقح الحضارات..!لذلك لا يمكن الإركان إلى دقة وموضوعية القاموس المخزني وبالتحديد في طريقة شرح وتوظيف المصطلحات المعتمدة على إزدواجية المفاهيم ،إذ بات من المحتم علينا كفئة مثقفة ضرورة إعادة تعريف وتصحيح الكثير من المصطلحات التي يعج بها المعجم المخزني ، وفي مقدمة هذه المصطلحات مفهوم المغربة والإستثناء المغربي . 

ليس في صالح الدولة العميقة بَعْدُ أن تُحْسِم َ نتيجة المباراة ، إذ لايزال هناك قليل من الوقت لتمرير قرارات عدة باسم الحكومة كالزيادة في أثمنة المواد الإستهلاكية والبنزين .... ثم يليها شرعنة التخلي عن حزب المصباح بعدما أدى الدورالذي سمح له بتصدرالحكومة من أجل تأديته. ونعني بالشرعنة هنا اظهارالشعب اعلاميا كشريك في هذا القرار، عن طريق المسيرات والوقفات الإحتجاجية المنددة بالزيادت ومطالبة إبن كيران بالإنسحاب

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة