الزيادة في الأسعار صنو الإنتحار
أحمد الإدريسي
نُشِرعلى احدى الصحف الإلكترونية كاريكاتور يصلح أن يُأْخَذَ مثالا لِلصَّنْوَنَة بين الزيادة في الأسعار و الإنتحار حرقا بالنار، و هو عبارة عن أفعى ذات رأسين ينفثان النار، إحداهما مُوَجّه إلى فئة المُسْتَهْلِك البسيط و الآخر إلى جسد من أقدم على تبني القرار، ومعنى ذلك باختصار أنّ مَنْ يُقْبِلُ على الزيادة في ثمن الأسعار كَحَّلٍ أوحد ، وَاشعال جيوب الطبقة الفقيرة و المتوسطة بوقود الغلاء الذي يتحول في غالب الأحيان الى ثورة تأتي على الأخضر و اليابس ، إنما يدرج نفسه في لائحة الإنتظار و لو بعد حين . ليس فقط لأن الحارق يٍحْرَق وفق مقولة كما تَدِينُ تُدان ، بل لأن لهذا النمط من الذين يظنون أنهم يصنعون إصلاحا هم قائمين عليه ، صفتان هما ، صفة الجُبْن الذي يُوَلِّد العَجْز عن مواجهة من يهمهم ويُوجَبُ في حقهم أمر الزيادة ، فتصبح مخاطبتهم رهينة لما نسميه إياك أعني واسمعي ياجارة ، حيث لا ندري عم يتحدث في بعض الأحيان ومن هو العدو العفريت ومن هو الحليف في هذا الإستثناء الذي شمل المفاهيم أيضاً ، وصفة التسلط على الفئة المستضعفة حيث الحائط قصير و غير ممتنع لذا يسهل تسلقه بواسطة حبال الحكرة .
وقد تتطور أساليب الحرق وأدواته من الحفرة التي أُُُُمِرَ بحفرها و تجميع الحطب بها لحرق أصحاب الأخدود ، مرورا بدفع الذات الى حرق نفسها بعد منعها او التضييق عليها أثناء طلب الرزق الذي لا يتخطى الكفاف و العفاف والغنى عن بسط اليد للخلق كما بات يصطلح على تسميته بالظاهرة البوعزيزية . إلى آلة الحرب التي لا قلب لها ، تقذف النار و الموت و الرعب بوفاء أعمى دون تمييزكما حدث لأهل رابعة و النهضة .
إنه إجراء لا مواقف رجولية أو بطولية فيه . خصوصاً حين تُسَجّل الزيادة في حق الفقراء و تحيط بنَهْرِهم المستنزف أصلا دون أن تعبره لتشمل أعالي البحار والمحيطات و تنفذ الى باطن الأرض لتكشف من يستغل مقالع تربتها وثروات معادنها ، حيث الغني يزداد غنا وترفا دون أدنى رقيب أو حسيب ضرائبي يحد من جشعه.
ولو قُدِّر لمن قُتلوا أو أُُرْغِمُوا على قتل أنفسهم حرقا من فقراء محرومين و مساكين مستضعفين.. أن يسيروا في مسيرة او تظاهرة لما اتسعت لها مدينة أو رَحُبَ لها ميدان ، لأن هؤلاء منذ فَجْرالتاريخ لم ينقطع خيط ذخان جتثهم المتفحمة الممتزجة بما يستنشق من هواء. و لو قُدِّر لهم أن يهتفوا في قيامتهم المُتخيلة لقدموا جزيل الشكر لصاحب الكاريكاتور الذي خالف لغة اللف والدوران والأوصاف المضللة التي كتبت عن جلد الأفعى الناعم وسيقانها الرشيقة ، ثم لأعادوا بالكلام ما جسده من خلال الصورة ، لمعرفتهم بأن من اجهزوا عليهم حرقا دفعوا الثمن أيضاً، و أن من يُشَرِّع حرق الآخرين سوف يكون ضحية هذا التشريع و هو آخر من يعلم ، لأنه شحيح الفكر و عديم المنطق الذي يُحتم حضوره في اتخاذ مثل هذا القرار ليصبح بمقدور من يرون ان احراق المواطن البسيط بلهب الزيادة في الأسعار هو الحل الأسهل و الممكن ، أن يضعوا أنفسهم لحظة واحدة مكان الآخر، أو مجرد أناملهم و ليس يدهم كاملة في العصيدة كما يقول المثل المغربي .
ضحية الزيادة في الأسعارليست فرداً واحداً يتلخص في المستهلك البسيط المغلوب على أمره ، بل نارها حين تندلع ألسنة لهبها فقد تلتهم الجلاد أيضا . لتصبح حينها محاولة فرزالضحايا واحصائهم ضرب من السذاجة والغباء يتملك الفرد أو الحزب الذي دُفِع به لإحراق جميع أوراقه وبالتالي انتحاره وهو لا يدري ، أو لعله يدري بعد فوات الأوان فَيُعِيد صدى مقولة زين الهاربين من تونس " أنا فهمتكم .. نعم فهمت الجميع
