من مظاهر الفساد الاجتماعي .. الرشوة ، إلى أين ؟!؟
حكيم فتوحي
ليس بالضرورة أن نبقى رهيني المناسباتية و ألّا نتكلم عن بعض المواضيع إلّا في مناسبتها ، فالموضوع الذي نحن بصدده نعايشه في أغلب أيام حياتنا إن لم أقل في غالب الأوقات و ليس من المنطقي – في اعتقادي – ان ننتظر اليوم العالمي أو الوطني لمحاربة الرشوة لنكتب عنه .
"التدويرة" ، "الحلاوة "، "القهيوة" ، "ادهن السير يسير" ... تعددت الأسماء و المسمى واحد "الرشوة" : ذلك الداء الغريب و الظاهرة الفظيعة التي نخرت جسم المجتمع منذ زمن ، و لا يزال أذاها يلحق المواطنين حتى و نحن في الألفية الثالثة من هذا القرن الذي تتسارع فيه الأحداث سرعة الضوء . و إليكم مقاربة بسيطة للأسباب و العوامل التي أفرزت تلك الآفة الاجتماعية ، و رأي كل من الشرع و القانون الوضعي ، ثم بعض الحلول التي لست أراها وحدها كفيلة بالقضاء عليها أو على الأقل الحد منها.
لا شك أن المصالح العمومية و الإدارات التي لها صلة مباشرة بالمواطن هي الأماكن التي تشهد استفحالا كبيرا للرشوة ، فمِن أبسط الموظفين إلى أعلى منصب في السلم الادراي .. الكلّ يمد يده للمواطن المسكين الذي يعطيها هو الآخر مرغما ، لأن عدم إعطائها سيحول قطعا دون قضاء مآربه ، أو على الأقل سيؤخرها أطول مدة ممكنة . أما قابضها فيتعلل بكون المرتب الشهري لا يفي بمستلزمات العيش فهو يستعين بها على تغطية تكاليف الحياة و لو كان ذلك على حساب من وضعيتهم أدهى و أمرّ .
و الغريب في المر أن لكل شيء مقدارا محددا إلّا الرشوة ، فسِعرها رهين بطبيعة المصلحة المرغوب تحقيقها ، فإذا تعلق المر بوثيقة إدارية بسيطة فالثمن في حدود دراهم معدودة و إذا تعلق الأمر بوثائق أو أغراض بالغة الأهمية فالمبلغ لا يقل عنها أهمية و إذا ضاق المكتب بتسليمها تتسع لذلك المقاهي و غيرها من أمكنة المواعيد .. يحدث هذا يوميا على مرأى و مسمع من الخاص و العام في بلد يقول قانونه الجنائي في الفصل 249 ( يُعَدًّ مرتكبا لجريمة الرشوة ، و يُعاقَب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات و غرامة مالية من 250 إلى 5000 درهم كلّ عامل أو مستخدم أو موكّل بأجر أو مقابل ، مِن أي نوع كان طلب أو قبِل عرضا أو وعدا أو تسلم هبة أو هدية أو عمولة أو خصما أو مكافأة مباشرة أو عن طريق وسيط دون موافقة مخدومه و دون علمه و ذلك من اجل القيام بعمل أو الامتناع عن عمل من أعمال خدمته أو عمل خارج عن اختصاصاته الشخصية و لكن خدمته سهّلته أو من الممكن أن تسهّله .) بل و فوق ذلك ورد في الحديث الشريف ( لعن الله الراشي و المرتشي و الرّائش ) الأول بصيغة الفاعل و هو الذي يعطيها ، و الثاني بصيغة المفعول و هو الذي يتسلّمها و الثالث هو الوسيط بينهما و الكل يسبح في مستنقع اللعنة و العياذ بالله .!!
فإذا علمنا هذا و علمنا أن هذه الظاهرة كغيرها من الظواهر السلبية على مجتمعنا تعوق مسيرة التنمية في هذا البلد ، فما هي سبل الخلاص إذن ؟! إذا تأملنا الأسباب السالفة الذكر يبدو جليا أن تحسين الأوضاع المعيشية للموظفين بات أمرا مُلحّا خاصة منهم البسطاء و ذوو الدخل المحدود ، كما يجب بالمقابل الضرب بشدة على مستغلّي النفوذ ممن يقف المواطن أمامهم عاجزا حتى عن الشكاية بهم نظرا لتمتعهم بحماية ممن هم في مراكز حساسة .. و هو الأمر الذي يزيد من حدة الاحتقان في صفوف المقهورين من أبناء الشعب و الذين نجد أغلبهم في حاجة إلى مزيد من التوعية بضرورة العزم على فطام تلك البطون الشرهة التي لا تشبع .
هذه الإجراءات و غيرها لست أول من ينادي بها بل وسائل الإعلام المكتوبة و المرئية ما فتئت تلح عليها بطريقة أو بأخرى ، و رغم ذلك فلسان حالنا ما زال يردد قول الشاعر :
قد أسمعتَ لو ناديتَ حيّـــــــــــــــــــــــــاً و لكن لا حياة لمَن تُـنـــــــــــــــــــادي
