أفسِدوا فأنتم تُصلحون !
محمد أزوكاغ
يعلمنا درس الجدل في صيغته الهيغيلية وخصوصا في بعده المدرسي أن صراع المتناقضات داخل البينة الواحدة هو أساس التطور. سواء تعلق الأمر بالفيزياء أو بالتاريخ فالتجربة اليومية تثبت ذلك.
عند إسقاط المنهج الجدلي في التحليل على "المشكلة المغربية"، أي مشكلة الاصلاح يحيلنا تلقائيا إلى ضرورة التدقيق في المقاربة المعتمدة. لا النية الحسنة أفادت ولا التخطيط الفوقي أنتج. وحدها الشعارات تتردد.
تحاول الدولة عبثا إقناع الداخل والخارج بأنها سائرة في طريق التغيير الشامل اعتمادا على مبدأ التراكم، لذلك تبذل مجهودات دعائية ضخمة جدا لتسويق مشاريعها الاصلاحية وخاصة ما يرتبط بمحاربة الفساد، مع التأكيد على شعار المواطنة وما يرتبط به من مفاهيم من قبيل حب الوطن وإتقان العمل والتغيير الذاتي والتضحية.. هذه وجهة نظر لا يمكن أن ننكر أن لها عددا كبيرا من المناصرين في المغرب وهم عموما كل من يستفيد من الوضع القائم.
لكن في الجهة المقابلة وباعتماد المنهج الجدلي يمكن القول وباختصار أن كل الترميمات التي يباشرها المخزن ومن يدور في فلكه منذ الاستقلال هي في واقع الأمر تعمل على المدى البعيد من أجل الحفاظ على ما هو كائن مع تمديد زمن مسيرة الاصلاح ما أمكن.
قد تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى طوباوية متهافتة، هي وجهة نظر كذلك. لكن العلم الطبيعي والإنساني مدعوما بدرس التاريخ خصوصا علمنا أن التطور والتقدم رهين باحتدام التناقض. كلما ازداد التناقض كلما ازداد وعي الشعب بضرورة التغيير وبالتالي ازدادت فرص الاصلاح.
النزاهة في محيط فاسد تزيد من عمره وتخفف من حدة التناقضات وبالتالي تحافظ على الوضع القائم. الإسراع في تحقيق الاصلاح يستوجب الأخذ بالمنحى المقابل أي العمل على تعميق الأزمة والدفع بها لأقصى الحدود. الاسراع في تعميق الأزمة هو إسراع في مسيرة الاصلاح الحقيقة.
الترميم يصلح للحالات المعزولة، أما الأزمة البنيوية فلا حل لها سوى التغيير الجذري، وتعميق الأزمة أحد المداخل الأساسية لتحقيقه.
أفسدوا فأنتم تصلحون.
