القائمة الرئيسية
أخبارنا

عندما تصبح الولاعة ورقة ضغط

عندما تصبح الولاعة ورقة ضغط

 

قبل سنوات، انطلقت أولى الاحتجاجات من تونس جراء إقدام البوعزيزي على حرق ذاته لأسبابه الخاصة والتي تحولت بعد ذلك إلى زلزال تونسي دمر النظام وقلب الدولة عقبا على رأس (وليس رأسا على عقب) وإدخال العباد والبلاد في متاهات لا زالت تحصد نتائجها إلى يومنا هذا.

نار البوعزيزي استغلتها فئات عريضة من الثوريين لتجعلها مطية تطالب من خلالها بقلب الأنظمة الحاكمة في دول مجاورة لا يزال معظمها حبيسا في عنق الزجاجة ومخنوقا في نفق مظلم يتلقى الضربات المتوالية من القريب قبل البعيد.

في بلدنا، نسمع كل شهر بمواطن وصل به اليأس وأحيانا الظلم والحكرة إلى إحراق ذاته للمطالبة بعمل أو رفع ضرر وأحيانا للضغط على جهة معينة من أجل تحقيق هدف لا يعلمه إلا الله وحامل الولاعة حتى صارت هذه الأخبار في مرتبة حادثة سير لا نملك لها إلا ترديد "إنا لله وإنا إليه راجعون".

بعد أن تابعنا أحداثا مأساوية في الشهور الأخيرة لأصحاب الولاعات التي قضى بعضهم نحبه والبعض الآخر يعيش ما تبقى من حياته بتشوهاته وعاهاته المستديمة، أطل علينا هذه الأيام شريط طويل عريض من ربع ساعة لأب يستنكر ويندد ويشجب ويرعد ويزبد ضد حارس عام لإعدادية بمدينة مراكش.

الغريب في الشريط أن الأب بدأ تسجيله بمقدمة توضيحية حول الأسباب التي دفعته إلى الاحتجاج بإضرام النار، مقدمة استنكر من خلالها المستوى التعليمي بمراكش بصفة عامة، واستنكر التسيير الإداري للإعدادية في شخص المدير والحارس العام وحتى الحارسة العامة، والسبب في هذا كله استدعاء الأب من طرف الحارس العام لإبلاغه بموضوع غياب الابن لمدة 15 يوما وسرقته لورقة الغياب رفقة زملاء له.

الاستدعاء أجج غضب الأب وذكره بما عاناه ابنه الأكبر مع هذا الحارس العام قبل سنوات ليضع الوالد الملف في خانة تصفية الحسابات واستهدافه من طرف الإدارة من خلال التضييق على أبنائه حسب ما صرح به الغاضب في الشريط.

ولرفع الضرر الذي لحقه رفقة أبنائه، لجأ هذا المواطن إلى الولاعة وقطرات من بنزين دراجة نارية ليس بهدف إحراق ذاته أو إضرام النار في المؤسسة، لأنه أعقل من أن يرتكب حماقة مثل هذه، وإنما أعد العدة لإحراق محفظة الابن بما ضمته من كتب وأدوات مدرسية أمام باب الإعدادية مع التركيز على تسجيل كل صغيرة وكبيرة بهدف إيصال رسالته إلى كل من رئيس الحكومة ووزير التربية الوطنية ووالي مراكش ومدير الأكاديمية ونواب الأمة (حسب وصفه) من أجل إنصاف الابن.

وتحت شعار "استهلك بلاما اتهلك" ، حرص الأب على استعمال قطرات معدودة من البنزين اقتصادا منه في مادة ثمينة عرفت زيادات متتالية، وهو ما أربك عملية إحراق عدد قليل من الكتب أمام أنظار محبي الفرجة المجانية.

ما يثير في هذا الشريط هو وصول المواطن المغربي إلى استعمال الولاعة لأتفه الأسباب، وعوض القيام بالإجراءات القانونية لرفع الضرر ولو من قبيل التجربة فقط، يلجأ كل محتج إلى خدمات الولاعة وآلة التصوير والفيسبوك من أجل التعريف بحالته وإعطائها طابع الفضيحة والكارثة لاستمالة عطف المغاربة الذين لم تعد مثل هذه المشاهد تحرك فيهم أي شعور غير حب الاستطلاع لا أقل ولا أكثر.

فلو أن هذا الأب صرح في الشريط أنه ربط الاتصال بالنائب الإقليمي ثم مدير الأكاديمية وراسل الوزارة والمحكمة و..و..و.. ولم يجد آذانا صاغية، آنذاك يحق له نشر حالته بمواقع التواصل الاجتماعي على أوسع نطاق حتى يتعاطف معه ذوو القلوب الرحيمة والنوايا الحسنة، لأن لجوء المرء إلى خدمات الولاعة مع كل مشكل إداري أو عائلي أو غيره يعني حرق المحافظ والأثاث والسيارات والمؤسسات...

فكما تمنى الأب منا مشاهدة الشريط كاملا، نتمنى منه العدول عن مثل هذه الأفكار والقيام بالإجراءات القانونية كاملة حتى يتبين الظالم من المظلوم، لأن قيامه بإضرام النار في محفظة وكتب ابنه قد يتسبب له في مشاكل كبيرة ومتابعات قضائية خطيرة مع جمعيات "ماتقيش محفظتي"

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.