هل أثرت الأفلام المدبلجة في زواجنا حقا؟

هل أثرت الأفلام المدبلجة في زواجنا حقا؟

احمد اضصالح

 

   حدثني أحد الأصدقاء قائلا:" انصرفت لطلب يد إحداهن ذات مرة فإذا بي أجد الأخيرة تسأل عن أشياء مادية بأسئلة غير متوقعة إطلاقا مني، لأستنتج بعدها أنني بضاعة أباع بلا شعور ودون أدنى إحساس بما أنا مقدم عليه !!"، ثم فصل القول طويلا كيف أن الفتاة طلبت منه الكشف عن دخله الشهري ومكان منزله الخاص الذي سيكون عش زوجية لم يكتب لها النجاح، وغيرها من الأمور التي طرحت استفهاما عريضا في ذهن صديقي لحد اليوم. لقد كان ذكيا في تجنب الكثير من الحرج، فلم يفصح عن نيته المبيتة طبعا اتجاه هذا الواقع المعاش، قرر أن يغير وجهته نحو هدف آخر تاركا وراءه تلك الفتاة متحسرا. آنذاك تذكرت أحوال المهور الغالية والشروط القاسية التي تفرض عنوة على الشباب دون رحمة كأن الأمر تجارة رابحة كتب للبشر أن يكونوا بضاعتها..

   حسب تقرير نشر بموقع (هنا أمستردام) حول إحصائيات العوانس في دول العالم العربي وشمال إفريقيا، أثار انتباهي ضخامة النسب حتى ظننت هذه المعضلة مرضا خطيرا سيترك آثاره على مجتمعات هذه الدول في العقود القليلة المقبلة.

   85 % من شابات لبنان بدون أزواج، علما أن الكثيرين ممن لديهم القدرة يفضلون الشرق الإسلامي وجهة لاختيار الزوجات لما حبى الله به بنات هذه المناطق من جمال أبهر العالم إلى حد أن الدول المستقبلة للاجئات الحرب في سوريا اشتكت نساؤها عبر وسائل الإعلام الوطنية والدولية من الإقبال منقطع النظير على السوريات ولسان الحال يؤول ما جادت به قريحة طارق ابن زياد إبان فتح الاندلس: "العدو والجوع وراءكن يا سوريات والأزواج الغرباء أمامكن وليس لكن والله إلا الاستسلام لأمر الواقع".

   في الخليج بلاد النفط والرفاه الاقتصادي سجلت مؤشرات العنوسة نسبا تقل إلى حد ما عن باقي الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، لكنها من حيث الخطورة على البنيات المجتمعية لا فرق بين الاثنين.

    أما الجزائر فتتربع على عرش دول شمال إفريقيا من حيث نسب العنوسة، إذ سجل التقرير عنها مؤشرا أعلى بنسبة خمسة ملايين عانس تبعها المغرب بأربعة ملايين ثم تونس بعدهما...

     مختلف النسب المذكورة  حسب نفس المصدر مرشحة للارتفاع جراء الأوضاع الأمنية والسياسية غير المستقرة في بعض البلدان، وكذا تراجع مؤشرات التنمية الاقتصادية حتى في تلك الدول صاحبة المادة الخام التي تجلب لها دخلا فرديا يقي المرء شر المذلة والفقر والسؤال ويجعله يفكر في الزواج مذ نعومة أظفاره.

   يرجع العديد من المتتبعين أزمة الزواج في البلدان العربية وشمال إفريقيا إلى كثير من الأسباب والعوامل بعضها يتداخل في أخرى، على رأسها ارتفاع التكاليف، وعزوف الرجال، وتشديد الإجراءات القانونية على التعدد، وشذوذ الذكور وانحرافهم، والتصورات الخاطئة عن الزواج باعتباره قفصا حديديا يحسبه العازب ذهبا لامعا متى لاح في الأفق. هذا إلى جانب التقديرات الاقتصادية والمادية التي عششت في أدمغة الشباب بسبب التحولات الكبرى التي شهدها العالم مطلع القرن الواحد والعشرين، إضافة إلى السعي الدائم نحو التهرب من مسؤولية تجعل الإنسان في بعض الأحيان مترددا بين محاكم الأسرة التي تنتهي جل ملفاتها إلى الطلاق أبغض الحلال إلى الله تعالى.

   أما المعضلة الكبرى التي لم ننتبه لها حتى  صارت غولا ينخر جسد البلدان العربية والإسلامية يوما بعد يوم دون توقف أو كلل فهي التأثر بما تروج له الأفلام المدبلجة، تلك التي انتشلها إعلامنا من مزابل الأتراك والمكسيكيين، بحيث تزرع الأخيرة في النفوس مبادئ غير تلك التي ألفناها.. الزوج يتخذ لنفسه ركنا يأوي إليه غير آبه بما يدور حوله من داخل أسرته والزوجة بدورها تستقل عن الواقع أمام الأجهزة تاركين الأبناء في ضياع لا مثيل له، فما بالك بالصالونات الفاخرة المعروضة في المسلسلات والتي توحي إلى أن غير المتوفر على هذا يجب عليه حتما أن يراجع حساباته قبل الإقدام على الزواج. فتياتنا تتأثر كثيرا بالأمر وترى في فارس أحلامها رجلا طويلا مفتول العضلات، ذات شعر أشقر، تلمع عيناه "حبا" كلما لاحت له "خليلته" وزوجته بعد ذلك، محافظا على بريق الأمل في الحياة كأنه "السوبرمان" الذي يحل جميع المشاكل الأسرية من قريب أو بعيد كيفما كان نوعها. وإذا تقدم أحدهم لطلب يدها تسأله كما سألت إحداهن صديقي: ما نوع سيارتك؟ وهل تتوفر على منزل جميل بإحدى المدن المعتبرة؟ أما ما يتعلق بالصالون، فهل بإمكانك توفير شبه ذلك الموجود في مسلسل "كذا" لصاحبه "فلان"؟ كم تتقاضى شهريا من المال؟ وأين سنستمتع بعد الزواج بشهر العسل؟ وهل لك أم أو أب ينغص علينا حياتنا بعد الزواج؟!.. أسئلة ومثلها كثير تنتظر شباب اليوم، إلى جانب الشروط القاسية التي أخاف أن نتطبع معها لاشعوريا نتيجة القيم التي تُغرس في النفوس شيئا فشيئا متجاهلين أن ذلك هو الضياع نفسه، ناسين قول الباري تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)[i] وحديث رسوله المصطفى الكريم واضح في الباب: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ[ii]».

   وإذا رجعنا بالذاكرة إلى ما قبل نصف قرن من الزمان فقط، أي قبل أن تنزع وسائل الإعلام مشعل التربية من يد المؤسسات المجتمعية الأخرى، بإمكاننا أن نتذكر الإمكانات البسيطة التي سخرها آباؤنا وأجدادنا للظفر بزوجاتهم وخدمة أسرهم تكللت كلها بالنجاح والاستقرار والرفاه المعنوي. أما اليوم فقد طغت العقلية المادية التي غرستها الأفلام المدبلجة في نفوسنا، إلى درجة أن الفتاة لا تقبل إلا بالأعلى راتبا والفتى لا يتقدم للزواج خجلا إلا إذا اشترى لنفسه مقومات مادية فوق المستطاع علها تقيه شر "لا" القاسية والناعمة التي لا يقدر على سماعها من الطرف الآخر. في ذلك الوقت خلت حياة الناس من التعقيدات العصرية التي جعلتهم اليوم في شغل دائم أفضى بهم إلى أمراض الشرايين والقلب والسرطان المميت وداء فقدان المناعة المكتسب وأوجاع أخرى لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.

   رغم كل ما قيل في عصرنا هذا عن أسباب العزوف عن الزواج وكثرة مشاكله المعقدة يبقى الإعلام المعربد صاحب الأفلام المدبلجة المسؤول الأول عما آلت إليه الأمور أمام عجز المؤسسات المجتمعية التربوية الأخرى التي نأمل أن تعيد للحياة الزوجية بريقها الضائع ممتثلة قول ما اشتهر على لسان الحسن البصري رضي الله عنه، لما سأله رجل:" خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها؟ رد الإمام قائلا: ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها".

 



[i] - سورة النور، الآية (32).

[ii] -  البيهقي- السنن الصغرى -  باب الترغيب في النكاح – 2456.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات