ملاحظات منهجية حول التعيين الملكي والتنصيب البرلماني للحكومة الحالية
أحمد الدرداري
ما يميز الحياة البرلمانية المغربية هو كون الممارسة السياسية تترجمها المطالبة بالإصلاحات العامة التي يضمنها الدستور والدقيقة الصعب تحقيقها والتي تشكل موضوع صراع القوى السياسية لاسيما بين القوى الانتخابية والقوى الواقعية ، وتبقى السجالات مفتوحة بشأنها بين المعارضة والأغلبية .
وبما أن التناوب السياسي يقوم على تنظيم الممارسة السياسية الحكومية والبرلمانية بين أغلبية تحكم وأقلية تعارض وتنتقد وتقوم الاعوجاج لعمل الحكومة من داخل البرلمان ، فإن هذه الممارسة تأخذ بعين الاعتبار مصداقية الأشخاص والالتزام السياسي والانسجام بين الأقوال والأفعال، كما أن التناوب في المغرب لا يخرج عن النص الدستوري وبراديغم النظام الملكي المصبوغ بطابع التعددية المتبارية والمتنافسة لبلورة أغلبية تشارك في ممارسة السلطة وفي الاختيارات الكبرى التي يحددهاالدستور إلى جانب الممثل الأسمى للدولة.
وباعتبارحكومة الولاية التشريعية الحالية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، حيث انتهت نسختها الأولى بخروج حزب الاستقلال، ودخول حزب التجمع الوطني للأحرار مما أضفى عليها نسخة ثانية غيرت هيكلتها والصياغة لأولوياتها ولميثاق الأغلبية ، كما اعتبر التعيين الملكي لها، بمثابة لمسة التأهيل وإضفاء طابع الرسمية عليها والمشروعية كأغلبية لتنصرف إلى عملها باسم النظام والدولة والسيادة ، وهذا طرح نقاشا إضافيا حول التنصيب البرلماني لهذه الحكومة وأهميتة الدستورية والسياسية مما يتطلب منا تقديم ملاحظات منهجية بشأن هذا الموضوع كما يلي :
ملاحظات حول هيكلة الحكومة:
إن عدد الحقائب في هذه الحكومة والمقدر ب 39 حقيبة، يبرر باعتبارات معينة وهذا العدد ليس اعتباطيا، وذلك لتفادي الزيغ عن التعاقد الثاني (والنخبة الثانية) بين مكونات الحكومة لكون الحقائب التي قد تفسد تماسك الأغلبية. وتؤثر على سلامة العمل السياسي والديموقراطي وحسن إدارة المعارك السياسية عينت خارج الانتماءات الحزبية لتسلم للتكنوقراط، وكذلك طبيعة الوزارات التي من الأفضل أن يكون وزراؤها خارج المزايدات الحزبية هي أيضا مبرر لجعل هذه الحقائب تقنوقراطية والمرتبطة بطبيعة المرحلة أيضا والاجماع السياسي حولها، وبسبب المصالح العليا للوطن كموضوع الوحدة الترابية للمملكةكمبرر آخر.
كما أن التغيير الذي لحق وزارة الخارجية له ما يبرره بحيث أن تراجع تهديدات الربيع العربي الذي فرض على النظام القيام باحتياطات تتماشى مع الظرفية على مستوى السياسة الخارجية، وفشل هذا التغيير الذي أبان عن نتائج سيئة على مستوى الواقع، ومنه آثاره إضعاف حزب العدالة والتنمية إيديولوجيا.
وبالنسبة لتعزيز دور المرأة على مستوى الحكم وممارسة السلطة،فهو مستوى آخر من مستويات تأصيل الديموقراطية السياسية والتكيف مع منطوق الدستور بشأن المرأة. وفيما يتعلق بمبررات توزيع الحقائب بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب العدالة والتنمية فقد ارتبطت وتحكت فيها عدة اعتبارات، منها فشل العلاقات بين الاسلاميين والاستقلاليين. الشيء الذي جعل من الادارة الحكومية في النسخة الأولى يكتب لهاالفشل، ولا تستجيب لطموحات الشعب المغربي. رغم تقدم وضعية الدولة العامة في مسلسل عملية التدبير. وتصحيح إدارة الشأن العام. وملاحظة أخرى تكمن في تداول السلطة كثمرة ويعتمد على التوازن بين القوى السياسية واستقرار الحكومات. من خلال الانسجام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية الناتج عن تعاقد أغلبية سياسية متناسقة... .
إن لجلالة الملك مكانة دستورية مهمة ذات الصلة بالحياة السياسية ، ويعود له الفضل في إنقاذ الوضع السياسي العام من الأزمات ، حيث التحكيم الملكي ومكانته الدستورية والدينية والسياسية كأهم الاليات التي تسعفه في فرض الالتزام بقواعد الحكم والممارسات السياسية ، والتمييز بين فصل السلطوالتعاون والتوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية .
وفي إطار علاقته بالحكومة يعتبرتعيين جلالة الملك للحكومة في نسختها الثانية بمثابة الضوء الأخضر لسير عملها بما يثبت الرسمية في مؤسسات الدولة ، وعدم تعطيل المصالح العليا للوطن وتفادي كل تأخيرلها، لنميز بين التعيين الملكي والتنصيب البرلماني، حيث التعيين يحدد سيادة الدولة وسامي على أية تزكية أخرى ، أما التنصيب البرلماني فيرتبط بالحكومة في المهام الموكولة للبرلمان في مجالات تخصصه والمرتبط بالسياسات العامة والمراقبة البرلمانية لها.
بتعيين جلالة الملك لرئيس الحكومة عبد الإله بن كيران وباقي أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها بتاريخ 25 نونبر 2011 حسب الفصل 47 من الدستور هو تعيين لانطلاق العمل الرسمي للحكومة وعقب ذلك عرض البرنامج الحكومي على البرلمان لانطلاق العمل السياسي ، كما أن المجلس الوزاري الذي يرأسه جلالة الملك يعمل من دون إذن البرلمان وفق الاختصاصات الدستورية الموكولة إليه بصريح الفصل 49 سواء انعقد بطلب منه أو بطلب من رئيس الحكومة حسب الفصل 48 ، وهنا نكون أمام ثقة أكبر من حجم ثقة البرلمان.
أما فيما يتعلق بالتنصيب البرلماني للحكومة الحالية ، فإن الملاحظ هو أن الأغلبية داخل مجلس النواب هي التي أفرزت الأغلبية الحكومية عدديا لأحزاب التحالف الحكومي الأربعة ، وهذا يدل على أن مسألة التنصيب البرلماني هو بروتوكول سياسي صوري اللهم إذا انسحب النواب الموالين للحكومة أو قدموا استقالتهم من الأحزاب ، مما يدل على فقدان الأغلبية بالنظر إلى العدد المخصوم من الأغلبية ، والأغلبية المطلقة دائما موجودة لعمل الحكومة وهي سابقة على أي إعلان عن الأغلبية الحكومية، كما أن الأغلبيةالبرلمانية هي التي تمارس السلطة التشريعية من داخل البرلمان.ومن من الناحية الواقعية فإن مجلس النواب مايزال غير مستوف من الناحية السياسية ، لأن رئيسه الحالي السيد عبد الكريم غلاب هو برلماني عن حزب الاستقلال، وعرض البرنامج على مجلس النواب يتطلب رئيس من الأغلبية الحكومية الحالية بدلا من رئيس ينتمي للمعارضة، مما يقتضي الانتظار الى شهر نونبر لتنتهي ولايته قانونا، وهذا عيب آخر.
وبالنسبة للمطلب الذي تقدمت به المعارضة المتعلق بضرورة عرض البرنامج الحكومي الجديد أمام البرلمان، فإن العملية الحسابية انطلاقا من كون الديمقراطية تقول بحكم الأغلبية، فإن الحكومة الحالية رممت أقل من ثلث الأغلبية الحكومية بما يعادل 60 نائبا عن حزب الاستقلال وبالتالي فإن شلل الحكومة كان يتطلب فقدان الأغلبية المطلقة من أعضاءها، وهذا يدل على أن البرنامج الحكومي الجديد شمل التراضي و الاتفاق حول هذه النسبة المفقودة فقط ، وأن اللجوء للقضاء بصفة عامة أمام غياب تنصيص صريح حول العرض الحكومي في هذه الحالة، يمكن للقضاء أن ينطلق من قاعدة تفسير النص وتأويله لصالح المتهم، وفي هذه الحالة سيكون لصالح الحكومة.
فحسب الفصل 70 (الفقرة الأولى). يصوت البرلمانعلى القوانين ويراقب الحكومة ويقيم السياسات لعامة (الفقرة الثانية).وأن البرلمان لا يمكن تجاوزه فيما يتعلق باختصاصه الخاص بمراسيم تدابير التي يختص بها القانون (الفقرة الثالثة).
وفيما يتعلق بتقديم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين وعرض البرنامج الذي يعتز بتطبيقه أظن أن هذا الفصل 88 مهم بالنسبة لبداية الولاية التشريعية مباشرة بعد إجراء الانتخابات التشريعية، لأن الحكومة الحالية تعمل في إطار الاستمرارية في نفس الولاية التشريعية، وجزء كبير منها شمله التنصيب في بداية هذه الولاية، وبقاء نفس رئيس الحكومة كمعني بعرض البرنامج يتطلب اجتهاد القضاء الدستوري وغير كافي إعمال الرقابة السياسية لوحدها في هذا الباب، بالإضافة إلى أن عدد من أعضاء الفريق الحكومي تقنوقراط وغير ملزمين باستحضار اللهجة السياسية رغم التزامهم بالأداء الحكومي في اطار التحالف.كما أن طلب الثقة حسب الفصل 92 يتم التداول بشأنه في المجلس الحكومي تحت رئاسة رئيس الحكومة، وإطلاع جلالة الملك على الأمرإذا ما كان يتطلب الثقة أم لا. ويمكن أن يكون عرض البرنامج الحكومي في نفس الولاية التشريعية إذا استقالت الحكومة أو أقيلت من قبل جلالة الملك أو بناء على ملتمس رقابة .
