حكاية الأساتذة و لانافيط ,,, أما آن الأوان لتنتهي
ذ أشرف سليم
أكاد أجزم أنه لا يوجد قطاع لا يوفر لمستخدَميه نقلهم من مواضع سكناهم إلى مَرَاتِع أعمالهم , بل حتى أجراء ما يسمى بالسْميك تنذر شركاتُهم نفسَها لتوفر لهم النقل , و إن كان هناك مستخدَمون أو عمال أو موظفون دون نقل؛ فإن مقرات عملهم تسعى إلى أجرأة مشروع نقل المستخدَمين الذي تعتبره آلية متطورة لإلزام الأجراء بالحضور في ميقات العمل . هذه الاستراتيجية يُعمل بها في مناطق العمل التي توجد خارج المدار الحضري التي لا تتوفر فيها وسائل نقل دائمة أو لا تساعد الأجراء على المواظبة و الحضور في الوقت الرسمي , كما تعد تيسيرا على هؤلاء الكادحين لتوفير مصاريف النقل الذي يستنزف جيوبَهم اِنْثِمَامُ الأجر , و بُرْسُ الزمن و قساوتُه على المعذبين في الأرض كما نعتهم طه حسين في إحدى كتاباته الشائقة .
في المناصب المترَف أصحابُها تخصص ميزانية ضخمة لنقل رؤساء العمل و حاجياتهم , أو إرساليات المكاتب الإدارية , و أحيانا تستغل هذه الامتيازات لقضاء مآرب شخصية و، تصبح عادة مستعصٍ على أصحابها مفارقتُها .
قطاع التعليم يكون بمعزل عن هذا السياق العام , فلا يتم الحديث البتة عن نقل أجرائه من مواضع سكناهم إلى مدارسهم , خاصة الأساتذة العاملين في العالم القروي و المناطق الصعبة ؛ لينزوي هؤلاء المعذبون في الأرض إلى أنفسهم و يتكلوا عليها لمقاساة آلام شبح لانافيط و مكابدته و مغالبته حتى آخر السنة علَّها تنبئهم بانتقال يعفو عنهم من رحلاتهم البطوطية يوميا , فقد صار بعض رجال التعليم و نسائه يفوقون رحلات ابن بطوطة نفسِه إذا حسبت بالكيلو متر التي تصل إلى أكثر من 100 كيلو متر يوميا و طوال أيام الأسبوع .
إذاً هناك نَصَبٌ يعانيه رجال التعليم و نساؤه يتمثل فيما يعرف بين أهل هذا القطاع بلانافيط , و معناه التنقل يوميا من مقر السكن الرّئيس للأجير إلى مقر عمله الذي يوجد غالبا في القرى و الفيافي و القفار التي لا تشجع على الاستقرار ما دامت منعزلة عن كل شيء , عكس المناطق
الحضرية أو شبه الحضرية التي توفر لهؤلاء الموظفين الاستقرارَ الأسريَّ خاصة للأبناء مما يشجع على الاستقرار فيها، و تجشم عناء المسير ذهابا و إيابا إليها , لكن أما آن لهذه المعاناة أن تبوح بصدرها الممتليء بغيض من فيض , فمن غير المعقول السكوت عن رحلة الشتاء و الصيف هذه , فلطالما خلفت حوادث أليمة تجرعها الذين قضوا نحبهم فيها بسبب حادثة أليمة جراء التنقل اليومي , أو تعرضوا لهجوم ممن سنسميهم قطاع طرق في المناطق المهجورة حتى من الطرق المعبدة , أو أصيبوا بأزمات نفسية جراء الأهوال و الأخطار التي صادفوها , و الأمرّ في هذا كله أن مصاريف لانافيط تأتي على جيوب رجال التعليم المتهالكة , فقد تصل إلى نصف الأجر في بعض الحالات إن لم نقل أكثرها .
هذه فَلتة سقطت فيها الوزارة و هي في صدد تثبيت الزمن المدرسي الذي يحظر الهدر المدرسي حظراً , لكن ألم تنتبه إلى إشكالية تنقل الأساتذة فهناك نقاط سوداء لمدارس و مؤسسات تعليمية لا يوجد فيها حضر أو مدر فكيف يطيب لهذا الأستاذ العيش في هذه المناطق و التأقلم معها و إفراغ شحناته المعرفية و البيداغوجية للمتعلمين ؟
هناك الكثير من استفسارات الغياب التي يقدمها المديرون إلى الأساتذة يكون سببها التأخّرَ في الالتحاق بالأقسام , و يكون جوابهم عن هذه الاستفسارات بوعورة الطريق أو انْسدادها، خاصة في أيام المطر و الثلوج , و قد لا يكون ثمة مدخل قانوني لتبرير هذه التأخرات ؛ مما يعرض هؤلاء للاقتطاعات , فكان من الأجدر عوض تفعيل المقاربات السلطوية الفوقية رؤية الأمر من زاوية إنسانية تتفهم هذه المطبّات التي يتعرض لها الأساتذة ، و الإحساس بجسامة مهمتهم و صعوبتها ، و إجلالهم لأنهم قبِلوا العمل في مناطقَ عادة لا يدلف إليها إلا الجنود المظليون أثناء الحروب .
ما العيب إن خصصت الوزارة تعويضات عن التنقل ما دامت الحكومة تضخ تعويضات فخمة لبرلمانييها , أليس من كاد أن يكون رسولا أحقَّ أيضا بتعويضات عن التنقل خاصة أنه يقوم بمهمة وطنية جليلة و عالية تعد ثاني قضية بعد الوحدة الترابية ؟ و إلى ذلك الحين فوزارتنا ما زالت تفكر فقط فيما يسمى بالتعويضات عن المناطق الصعبة دون إثارة هذه المواضيع الحساسة في تعليمنا و التي تعد قاصمة الظهر إن لم يتم الالتفات إليها أو رعايتها الرعاية المناسبة .
