التعليم المغربي: بين خطاب الثقافة وأوحال السياسة!
عبد السلام جليط
النقاش الذي يدور في المغرب حول"لغة التدريس"، نقاشا يكشف إلى حد بعيد جزءا أساسيا من أزمة النظام التعليمي بالمغرب، والمتمثلة في العشوائية والشعبوية التي تسم تدبير هذا القطاع، الأمر الذي يؤدي إلى اتخاذ قرارات ارتجالية/استعجالية (البرنامج الاستعجالي) في قطاع حيوي ومصيري كالتعليم، وأبرز مظاهر التخبط والعشوائية هو تجربة المراكز الجهوية لهذه السنة، فبعد إحداثها السنة الماضية تفاءل الجميع بهذه التجربة على اعتبار ان التكوين يقوم في أساسه على ماهو مهني وتطبيقي، بمعنى انها تجربة محمودة ساهمت –على الأقل في السنة الأولى- في الرفع من جودة التكوين لدى المدرّس، ولكن بعد مرور سنة واحدة فقط يعود التخبط من جديد وهاهي العطلة البينية الأولى على المشارف والموسم التكويني لم ينطلق بعد! أليس هذا قمة العبث ؟!
ثم إنه ليس نقاشا بريئا بالمرة؛ بمعنى ان الأمر من وراءه غايات "سياسوية/ ايديولوجية" وأهدافه غير علمية لا علاقة لها ب"جودة التدريس" او النهضة بهذا القطاع المنكوب (وهو فعلا منكوب لأنه يحمل ما لا طاقة له به، فقد أنهكوه بكثرة المخططات والبرامج...حتى وهن عظمه ولم يقوى على النهوض...)، هو نقاش غير بريء لسبب بسيط ؛ هو أن النقاش انطلق من خارج المنظومة التعليمية وليس من داخلها؛بمعنى أنه نقاش سياسي وليس نقاشا علميا/تربويا، فما الذي يجعل من دعوة/مراسلة "عيوش" تسبب كل هذا اللغط؟
إذا عرفنا بأن عيوش ليس سوى رجل الإشهار الأول بالمغرب، يعني أنه ينتمي لمجال شعاره الخالد والوحيد هو"الربح المادي"، عرفنا أي نوع من التعليم ذلك الذي يريده عيوش للمغاربة، وعرفنا سبب الضجة الاعلامية "الرسمية" المرافقة للنقاش، هل يحتاج الأمر فعلا إلى مناظرة يكون طرفها مفكر رصين ومتشبع بالفكر النقدي العميق كالعروي، والذي غاب عن الإعلام الرسمي طوال "مسيرته الفكرية" ليظهر في هذا "النقاش الهامشي!"، فهل استحق الأمر كل هذا الصخب !!
في السنة الماضية نظمت "جمعية أصدقاء السوسيولوجيا" بتطوان اسبوعا ثقافيا حول "قضايا التعليم بالمغرب"، استضافت في هذا الملتقى نخبة من أشهر مفكري المغرب والمختصين في علوم التربية والسوسيولوجيا والسيكولوجيا والفلسفة، وممثليين عن وزارة التربية الوطنية، كمديرمديرية المناهج ومدراء الأكاديميات...وأستمر النقاش اسبوعا في كل الفضاءات الثقافية لمدن تطوان،مرتيل والمضيق...وخرج المنتدى بتوصيات مهمة بناءا على محاضرات وبحوث الأساتذة الحاضرين، لماذا لم تهتم بهذا الحدث قنوات الإعلام الرسمي ولو بخبر يتيم على شاشاتها؟ أين ذهبت كل تلك التوصيات ؟ لماذا لم تهتم بها أي جهة رسمية؟
أليس هذا إذن قمة التهميش للعلمية والأصالة الفكرية، والتشجيع على الشعبوية والتهريج؟؟
إن سنة "2013" يحق للمغاربة أن يطلقوا عليها سنة التهريج والشعبوية، ففيها أنتخب المغاربة رئيسا للحكومة لا يعرف غير لغة التنكيت و"التقشاب البايخ" كبنكيران، وفيها أيضا أصبح رجلا شعبويا "كشباط" أمينا عاما لحزب تاريخي هو حزب الاستقلال، ولتكتمل الوصفة، خرج لنا "مهرج" اخر في نهاية السنة يريد "تدريج التعليم"...!
على من يضحك هؤلاء؟
إن مشكلة السياسيين في المغرب هي أنهم يعيشون قضايا مصيرية بعقلية استعجالية ، وقضايا جوهرية وأساسية بقرارات ارتجالية/شعبوية، وأنهم يريدون أيضا من المغاربة ان يعيشوا قضايا لا تخصهم، أو على الأقل لا تخصهم في الزمن الراهن، فهل يعتقد "السي عيوش" ومن معه ووراءه أيضا، بأن مشكلة وازمة التدريس في المغرب هي "التدريس باللغة العربية"؟ وأن الحل يكمن في التدريس "بالدارجة"؟
أعتقد أن هذا نقاشا هامشيا ليست له درجة الأولوية، وليس هذا ما يخصنا ويمسّنا هنا والان، فأزمات التعليم المغربي لا تتلخص في "لغة التدريس" أبدا، مشاكل التعليم المغربي أعقد من كل هذا وتحتل درجة الاولوية في النقاش، أي ان إصلاحها لا يحتمل التأجيل، إن كانت هناك فعلا رغبة سياسية حقيقية للاصلاح والنهوض بهذا القطاع وليس الأمر كله مجرد مادة للاستهلاك الإعلامي وفق المنطق الذي يؤمن به عيوش...
فالسؤال الذي كان على دعاة "التدريج" ان يعالجوه، هو أين سندرس ؟ قبل ان يناقشوا كيف سندرس ؟
فالبنية التحتية للتعليم هي بنية هزيلة، خصوصا في المناطق النائية والعالم القروي، بحث يعرف هذا المجال نقصا حادا على مستوى المؤسسات التعليمية وحتى إن توفرت فإنها لا تتوفر على أبسط شروط "المدرسة العصرية"، فهي مدارس أقرب إلى "أضرحة مهجورة" منها إلى المدرسة، وبالتالي فإنها لن تنتج سوى جيل يطبّع مع المهترئ ويتعايش مع الرذيء، وإذا أضفنا إلى هذا كله المناهج ومضامينها... أصبحت المدرسة مجالا لإنتاج جيل من الضباع كما قال "محمد جسوس"، وهذا أخطر ما يهدد مستقبل هذا البلد، فهم يجعلوك دوما ترضى بأبسط شروط العيش ويقنعوك بأن هذا هو "النعيم " في الأرض..وفي النهاية يقتنع العقل الباطني الجمعي للمغاربة بأن هذا هو أقصى ما يمكن ان يسعى إليه الإنسان " اوا الواحد واكل، شارب،لابس...شنو خصو!"، هكذا تجد الجواب جاهزا على لسان الجميع في تسليم وخنوع وقدرية سلبية، وما المدرسة المغربية بالشكل الحالي سوى الية من أليات إنتاج هذه العقلية القدرية...إنهم يعيشون في النعيم ويقنعوك بأن عيشنا في الجحيم نعيم ايضا، تبا لهم !
فأغلب المدارس الإبتدائية في العالم القروي لا تتوفر على المرافق الصحية، بمعنى ان الطفل إن أراد قضاء حاجاته البيولوجية، فعليه بالهواء الطلق...ممّا يطرح مشاكل اخلاقية وصحية جمة، فهي مدارس لا تحترم" الانسان"، وتعيد انتاج عقلية انهزامية ومعطوبة...
كان حريّ بعيوش بدل أن يدعو إلى اعتماد الدارجة في التعليم، أن يساهم بجزء من ثروته لبناء المزيد من المدارس وتجهيز الموجودة بحجرات ومعدات تحترم الانسان أولا، كما يفعل كل رجال الأعمال الوطنيين في بلدان اخرى...إن كانت غيرته على الإرتقاء بالتعليم جدية!
إذن هذا ما يمسنا هنا والان، فالسؤال الحقيقي والذي لا يحتاج إلى تأجيل هو سؤال البنيات التحتية التي يجب ان تحترم الإنسان أولا، وتوفرله الجو والفضاء المناسب الذي يساهم في نمو سليم ومتوازن للمتعلّم...
ولكن أي مجتمع نريد أولا ؟ وأي "إنسان" نريد ؟ هل نمتلك مشروع مجتمعي حديث قائم على الاستثمار في الإنسان باعتباره "عصب" التنمية البشرية والارتقاء بالمجتمع نحو مصاف المجتمعات المتقدمة؟ فإذا عرفنا بانهم لا يريدون ذلك تأكدنا بان أزمات التعليم، ورداءة منتوجه ومردوديته،وكل المشاكل التي يتخبط فيها منذ الاستقلال.. مرتبط بغياب إرادة سياسية لإصلاح المنظومة التعليمية، لأن مشروعيتهم واستمراريتهم رهينة باستمرار "دار لقمان"على حالها؛ أي ان يظل الجهل والأمية، وغياب مفهوم "الإنسان" وكل المفاهيم المرتبطة به هو السائد إلى أجل مسمى...رفعت الأقلام وجفت الصحف !
