أزمة تعليم أم أزمة سياسة
يوسف الإدريسي
ممّا لا شك فيه أن الرأي العام المغربي ومعه النخبة المثقفة توجهوا بدون بوصلة نحو الغوص في نقاش عقيم وبحر عميق لا يُعرف مدّه من جزره ولا بدايته من نهايته، فأفرز هذا النقاش اختلافا في الآراء مابين مؤيد للدارجة كوسيلة للتدريس وترسيمها في البرامج التعليمية، ومعارض لهذا الطرح التعليمي الملغوم.
وبعيدا عن اختلاف الآراء وتباين المواقف نقف عند توقيت هذا النقاش والزمن القياسي في انتشاره بمختلف الأوساط النخبوية والفكرية، وأيضا تخصيص منابر إعلامية رسمية لتسليط الأضواء على القضية، لماذا بزغت هذه القضية في ظل أزمة سياسية واقتصادية خانقة يعيشها المغرب،و بُعيد الخطاب الملكي الذي انتقد فيه الملك تعامل الحكومة مع قطاع التعليم. لماذا تمّ تجنيد الوسائل الإعلامية الرسمية لهذا الغرض لدرجة استضافة القناة الثانية للباحث العروي الذي لا تكاد تُعرف ملامحه بسبب غيابه عن المشهد الإعلامي.
لعلّ العقل السياسي الرسمي أراد توجيه الأنظار وإشغال الرأي العام بقضايا هامشية من شأنها التعتيم على مشاكل التعليم الحقيقية وصرف الاهتمام عن عمق الأزمة السياسية بالمغرب التي أفرزت كسادا سياسيا انعكس بالسلب على آمال المغاربة في الكرامة والعدالة الاجتماعية، وغذى بذلك روح التشكيك لدى المواطنين البؤساء أمام مشهد سوريالي يخفي حجم الأزمة السياسية التي تعشها الدولة، والنفق المظلم الذي دخلت اٍليه جراء القرارات الانفرادية والتسلطية المتخذة في كثير من القضايا المصيرية والحساسة دون الرجوع إلى النخبة الفاعلة والطاقات الوطنية المؤثرة.
إن ما حدث وسيحدث من سجالات عقيمة تروم التمويه والتعويم في الخطابات النخبوية يجعل المغرب يعيش أزمة حقيقية لا يُعرف مآلها، أزمة سياسية تهدد ما تبقى من الثقة لدى المواطنين وستنعكس على التحديات الحقيقة للتغيير و تقوّض بذلك أية اٍمكانية لاستمرار الرهان على العملية الإصلاحية، في ظل العناد الرسمي والانفرادية بالقرارات.
