النكتـة "ديــال بصح"
حسن الهيثمي
أعتقد أن النكتة "ديال بصح"، هي مُحاولات المحسوبين على بعض الاتجاهات السياسوية، الركوب على أي زورق من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، وإعلان "الحرب"على من يتوهمون أنهم خصومهم ولو كانوا افتراضيين. بينما الحقيقة المُرة (مرارة الحنظل)، التي بدأنا نتجرعها، هي أن هناك أيادي خفية تُحرك عرائس على ركح الوطن لأداء أدوار في مسرحية رديئة النص والإخراج، يُرغمون الجمهور المغربي على مُشاهدة فصولها الثلاثة فقط، باستثناء فصل الربيع المزهر، الذي مهما حاولوا حجبه عنه فإن خطاطيفه، سترجمهم.
بيني وبينكم، أليس من حق الشعب المغربي، وهو يتابع بعض الحملات المسعورة، على وجه سياسي وفكري معروف ، هو المقرئ الإدريسي أبي زيد، أن يطرح نفس السؤال الذي طرحه الكاتب الأمريكي "همينغواي"، وجعله عنوانا لروايته المعروفة "لمن تقرع الأجراس؟" من حقنا التعرف على من يريد إشعال نيران الفتنة الخامدة، بعدما أطفأتها الرياح القوية للربيع الديموقراطي، الذي هب على البلاد ذات فبراير؟ ومنها معرفة من يتوارى خلف النكتة "ديال بالصح"، المتمثلة في التهديدات الهاتفية التي يتلقاها يوميا أبو زيد، الذي ينطبق عليه المثل القائل "بغا يضحك هجروه ليه"، فمن هؤلاء الذين يبحثون عن أي عود ثقاب لإشعال النيران الخامدة، ويلقون بأي حجرة لتحريك البحيرات الراكدة. إذ كيف لأبي زيد المقرئ الإدريسي، الأستاذ والبرلماني الذي طاف المغرب والعالم، داعيا إلى التسامح، والتآخي، ونبذ جميع أنواع الفرقة والتشرذم، محذرا من مغبة تقسيم المُقسم وتجزيء المجزأ، الذي بدأت في تنفيذه بعض الجهات ضد العالم الإسلامي، (مثلما حدث بالسودان)، -كيف لرجل مثله- أن يسخر من أبناء جلدته، ويهدم ما بناه طيلة سنوات، بنكتة كيدية مثل التي استخرجوها من أرشيف يعود إلى ثلاث سنوات؟
يعد الرجل -بشهادة خصومه- ظاهرة في الخطابة، يتحدث في الفكر والسياسة والدين، بطريقة تمزج بين البحث الأكاديمي والواقع العملي، وطبيعي أن يستدل في محاضراته بالموروث الشعبي، وببعض ما جاء فيه من طرائف ونكت. فهل ضاقت "قشابة" المغاربة عن الإنصات لنكتة مبنية للمجهول، ونحن الشعب العاشق للنكتة، ولدينا مدينة بأكملها نطلق عليها "البهجة"، نمزح ونضحك في كل الظروف والأحوال، ولو كانت "الجنوي واصلة للعضم"، من باب إيماننا بالمثل الكافكاوي القائل "كثرة الهم تضحك".
وإذا كانت مثل هذه السفاسف تثير كل هذا الجدل، فهل النكت التي تُروى عن الدكالي، والجبلي، والريفي، والصحراوي، بإمكانها إثارة مثل هذه الجلبة ؟ هل أصيب مجتمعنا المتسامح بمرض الحساسية المفرطة حتى صار بعض أبنائه "مجعورين"؟
مهما تختلف مع المقرئ أبي زيد، فإنه يظل وطنيا صادقا مدافعا عن دينه ووطنه حسب علمه ومعرفته، ويعتبر من الدعاة المعتدلين جدا، بل من الثائرين عن بعض القوالب التقليدية، وهو الذي تحدث قبل سنوات عن التقليد والمقلدين، وانتقد الفكر المتكلس، كما حاضر في مئات المحاضرات والندوات، التي احتضنها رحاب جامعات المغرب، وفضاءاته الثقافية والجمعوية المتعددة، بعنوان "التطبيع إبادة حضارية"، في تحذير من مغبة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكان من الذين أوصلوا إلى المغرب - قبل ظهور الفضائيات والأنترت-صرخات وآهات مسلمي البوسنة والهرسك، جراء المجازر الوحشية التي ارتكبها في حقهم الصرب، كما ظهر أبو زيد مؤخرا كواحد من مناهضي دعاة تدريس الدارجة في المدارس المغربية.
فهل ما يتعرض له من حملة مغرضة ضريبة لجزء من هذه المسيرة التي ارتدى فيها بذلة المحاماة للدفاع عن قضايا الأمة، من فلسطين إلى البوسنة والهرسك، إلى العراق، ومصر، أرجو شخصيا أن يكون الموضوع، مجرد مزحة ثقيلة، أو كما نقول من قبيل "الضحك الباسل"، أكثر منه محاولة لقرع الأجراس، التي مهما فعل قارعوها، لن تُعلن سوى عن حلول ليلهم البهيم، ألا تذكرون نشيدا مسائيا كنا نردده في مخيمات الطفولة.
c’est la cloche du vieux manoir..Qui sonne le retour du soir..le retour du soir.. Ding..ding..dong
سيقرعون الأجراس ويذهبون -كعادتهم مثل الخفافيش- إلى مراقدهم ... لكن في الصباح ستتفتح أزهار الربيع.
