عن تثقيف السياسي و تسييس المثقف
طارق بكاري
لطالما كانت العلاقة بين رجل السياسة و المثقف ملتبسة بالغة التعقيد على مرِّ العصور و اختلاف الأمكنة لذلك و حرصا على ألا نتوه في عموميات فجة قد لا تستقرُّ بنا على نتيجة محددة سنتخذ الراهن المغربي نموذجا و سنحاول من خلال هذه المقالة استكناه الغموض بل و البرود الذي يشوب علاقة السياسي بالمثقف.
- غياب المثقف الحقيقي عن المشهد السياسي.. عزوف أم إقصاء؟
تجدر الإشارة قبل افتضاض هذا السؤال إلى أننا استعملنا عبارة المثقف الحقيقي تمييزا له عن نوع آخر و هو المثقف السياسي أي المثقف الذي تقتصر ثقافته على ما هو سياسي صرف بمعنى أن السياسة بالنسبة له هي الغاية في حين أن غاية المثقف الحقيقي هي الثقافة في حد ذاتها,
إن المثقف الحقيقي في المغرب و ربما في جميع الأقطار العربية يعيش ما يعيش من عزلة ليس لأنه اختار ذلك بل لأنها الطريق الوحيدة التي تخول له الاستمرار, ليس فقط بسبب الرقابة المضروبة عليه وحسب, من طرف السلطات بل أيضا لغياب متلقٍ في المستوى ذلك أن المثقف و إن أسعفه قلمه و حتى و إن توفر لديه مناخ سياسي و مظلة حقوقية تمكنه من ضخِّ وعيه- الذي يكون عادة شكوكيا- يسعى – كما يرى إدوارد سعيد- إلى كسر التصنيفات المقولبة و المختزلة التي تنتجها الأوساط السياسية إلا أن ذلك غير كاف البتة نظرا لغياب جمهور يرقى إلى المستوى المطلوب على أننا لا ينبغي أن نرى في الجمهور مشجبا تعلق عليها خيبات المثقف المتتالية, ذلك أنه تعرض ( أي الجمهور ) و لا يزال يتعرض للتجهيل – سواء كان ذلك مقصودا أم لا من طرف رجل السياسة – و حين نتحدث عن التجهيل يكفي أن نشير فقط إلى نسب الأمية و إلى المنظومة التعليمية المهترئة التي لا تنتج نموذج الطالب القادر على فهم لغة المثقف فبالأحرى أفكاره, و مع غياب الجمهور يغيب الهدف الأساسي لنشاط المثقف و لرسالته اللذان يكمنان في الدفع بحرية الإنسان نحو آفاق أشد رحابة من جهة و تنشيط الوضع المعرفي العام من جهة أخرى. لذلك و أمام هذا الواقع الذي يبعث على اليأس و في ظل انسداد القنوات التواصلية لم يعد أمام المثقف – هذا الكائن الناذر و المقصي و الهامشي و الهاوي و الغاوي في آن- سوى أحد أمرين إما أن ينزوي و يواصل بناء نسقه المعرفي المنسجم إلى حد ما مع الأنساق الثقافية العالمية غير آبه بشؤون السياسة أو الشعب, إنها نخبة تنتج خطابات تُتَداول في ما بينها و توجه إلى المستقبل على أمل أن يأتي جيل يفهمها و لا يذيعُ صيتها بين العامة إلا لماما لاسيما إن هي تحرشتْ – عن قصد أو غير قصد – بالثالوث المحرم الدين-الجنس-السياسة, هذه النقطة الأخيرة التي تفضي إلى النمط الثاني من المثقفين, و نقصد بهم أولئك الذين ناصبوا الساسة العداء و حاولوا أن يؤلفوا – كما يؤكد إدوارد سعيد- لغة تحاول أن تقول الحقيقة للسلطة لأنه ينتمي إلى الضعفاء و غير الممثلين بحيث يطرق بمجهره النقدي كل الصيغ السهلة و المبتذلة و ينفذ من بين سطورها إلى حقيقتها فيربك السلطة و يندفع إلى مواجهتها بحقيقتها لكنَّ السياسيين بمكرهم يجيدون فنَّ احتوائه, فإن لم تنفع الجزرة فلا شك أن العصا ستنفع. إن المثقف في كلا الحالتين, العازف أو المقصي لا يتجاوز ما أسماه رولان بارت ( خطاب الانتصار ) هذا الخطاب المعتد بنفسه و المتغطرس الذي يحتفي بامتلاك حقائق لا يحفل بها لا النظام السياسي و لا عامة الشعب.
- هل السياسيُّ عقدته الثقافة أم أنه مثقف من الدرجة الثانية؟
فلننطلق من حيث انتهينا في المحور السابق, فإذا كان خطاب الانتصار يليق بالمثقف الحقيقي على ما فيه من طوباوية فإن رولان بارث يشير إلى نمط ثان من الخطاب, و هو خطاب الانتشار غرضه بالأساس أن يسود و أن يكتسب قاعدة شعبية واسعة إنه كما يقول " عبد السلام بن عبد العالي " يهيمن هيمنة تلقائية " طبيعية" و "مشروعة" , إنه أرضية عامة فرشت بمباركة السلطة.. كما أنه نوع من الثرثرة التي تتربص بنا و هو لهذه الأسباب لا يتعارض مع الإعلام لأنه أصلا من طبيعة إعلامية. إن خطاب السياسي لا ينحو صوب تقديم معرفة و غالبا – كما هو الشأن في المغرب – لا يتسلح بمرجعية إيديولوجية راسخة و قوية و إن كان في المقابل يدعي ذلك و يكفنه في دليل حزبي و ليس من مصلحته – إن كانت مؤهلاته الثقافية تسمح- أن يعرض تلك الخلفية الإيديولوجية لأنه سيبتعد عن العامة, إن مهنة السياسي تقتضي الإقناع و في ظل مجتمع غير مؤهل لأن يقتنع بالحجج الإيديولوجية مثلما لا يقتنع بها و لا يتبناها حتى السياسيون أنفسهم أضحى الخطاب السطحي الأقرب إلى التهريج هو وسيلة الإقناع الوحيدة و صار الأكثر قدرة على ذلك هو الأكثر حظا بالفوز بمشاركة سياسية لذلك لا ينبغي أن نستغرب إن سمعنا من داخل قبة البرلمان نوابا يخلطون في كلامهم الحابل بالنابل و لا تسعفهم معرفتهم الهزيلة حتى على قراءة ورقة ترتعش بين أصابعهم.. فثقافتهم تقتصر على بضع كلمات يلوكونها على مرأى ممن هم دونهم مستوى, هؤلاء عقدتهم الثقافة, على أنَّ هناك نمطا ثانيا يمكن أن نصطلح عليه صفة ( مثقف من الدرجة الثانية ) و هؤلاء هم الذين لا يرون في ثقافتهم غاية بل وسيلة و تتعدد الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك فمنهم من اختار الانحناء كي لا تعصف به السلطة و منهم من انحرف عن رسالة المثقف و تمَّ احتواؤه حزبيا و هذه النخبة هي الأخطر, لأن سلوكها العام- كما يرى إدوارد سعيد – قد تمَّ تشويهه بفعل الزركشة الكلامية و الصمت الحذر و التبجح الوطني الفارغ من أي قناعة حقة.
- ما الحل؟... تثقيف السياسي أم تسييس المثقف ؟
من الصعب الأقرب إلى الاستحالة أن نصل إلى إجابة قطعية و نهائية في هذا الصدد..لكن يجدر بنا الاعتراف بأن لا مخرج لنا من هذه الهشاشة التي نعيشها إلا باختيار أحد أمرين, إما أن نخضع السياسي إلى عملية تجميل ثقافية باعتماد دورات تكوينية يشرف عليها مثقفون حقيقيون في ما يشبه المصالحة بين الثقافة و السياسة بحيث يصبح السياسي على بينة من القيم الخالدة للحقيقة و الحرية و العدالة و المساواة ليس كشعارات جوفاء بل كأسلوب في التدبير و الحكم و نعتقد أن هذا ضرب من الحلم لأنه حتى و إن تحقق فلن يتحقق كليا لأن الإنسان لا يمكن أن يتحول من مهرج إلى مثقف بين عشية و ضحاها !! أما عن الحل الثاني " تسييس المثقف " فنرى أنه الحل الأمثل, و يكون ذلك عن طريق فسح المجال للمثقف الحقيقي ليدلي بدلوه في التدبير السياسي, و يعقد مصالحة كاملة مع السلطة شريطة إشراكه في صناعة القرار و الإيمان بدوره كفاعل قادر على أن يقدم الأفضل لاسيما في مجالات التربية و التكوين, قد يأخذ الأمر مدة ليست بالهينة من أجل اندماجه الكلي لكن المثقف الحقيقي هو وحده القادر على استنبات جيل جديد, جيل يليق بشعارات المغرب الجديد.
