لطيبوبتنا أو لسذاجتنا وربما لهما معا، ومن غير أدنى تردد، سرنا بهامات مرفوعة وقامات منصوبة، وبخطى حثيثة وواثقة تسبقنا فرحتنا الغامرة، لاستقبال عهد جديد، قادم من وراء ضباب بعيد، حاملا لنا دستورا عصريا مع نسائم ما اصطلح عليه آنذاك: "ربيع الثورات الديمقراطية العربية"، والذي تغنى بقدومه الصغير قبل الكبير، فاعتقدنا صادقين أنه سيثمر لا محالة أزهار التغيير، ويصبح بلدنا قبلة حقوق الإنسان ويتسع فيه هامش حرية التعبير، انشرحت الصدور بانتهاء فقدان الثقة أو سوء التقدير، ولن يعود من مجال للجم التفكير واستئساد منطق الإرهاب والتكفير، وهتفنا بأعلى أصواتنا مرددين: "إنه الاستثناء المغربي الشهير"...
مع مرور الوقت بدأت تتكشف الحقائق، وصرنا للأسف الشديد، نفاجأ من حين لآخر بخرجات لنماذج بشرية يصعب المجازفة بتصنيفها، ولا نعلم عنها سوى أنها لا تجيد من شيء سوى استصدار فتاوى التكفير واستباحة الأعراض وهدر الدماء، أو إعطاء دروس تنتج الوقود لتأجيج الضغائن بين الناس، وكأننا بها مسخرة من جهات خارجية خفية، لخلخلة المجتمع وتحويل الأنظار عن وقائع الأمور، لا تجد غضاضة في أن تنسب الفساد والانحلال الخلقي، إلى من تصفهم بذوي المرجعية العلمانية، فهي تقضي معظم وقتها متربصة بما قد يصدر عنهم من تصريحات أو تلميحات، في محاولة الانقضاض عليهم بما يتيح لها استقطاب الأبرياء من الشباب، وجرهم إلى صفوفها بدعوى أنها وحدها المؤهلة لرعاية شؤون المجتمع، والقضاء على السفهاء والمرتدين، وهكذا نجد هذه الكائنات منتشرة بيننا، لا يغمض لها جفن إلا إذا نفثت سمومها في أوساطنا، وبعد ذلك تنسحب تحت جنح الظلام ...
ويعتبر المدعو: عبد الحميد أبو النعيم، أحد شيوخ السلفية ممن يسيئون إلى ديننا الحنيف، ولا يحمدون الله على ما وهبهم من نعم شتى في هذا البلد الأمين، ذلك الذي خرج إلينا عبر شرائط إلكترونية منشورة على مواقع اجتماعية، يعمي ظلام الحقد عينيه المنطفئتين، تغطي لحيته الكثة وجهه، وتتطاير شرارة الكراهية من فم، حوله إلى مدفع يرمي بقذائف نارية صوب من يعتبرهم ألد خصومه، لا فرق لديه بين الأحياء والأموات، علما أن الهجمة لم تأت عفوية أو ناجمة عن حالة غضب عابرة قد نلتمس له العذر، بل أخذ الرجل كل وقته في تصوير وتسجيل ما بدا له صوابا وانتصارا لدين الله، بعدما وجد نفسه موقوفا عن إلقاء دروسه الدينية بأحد مساجد درب السلطان بالدار البيضاء، نتيجة حربه الشعواء ضد اليسار المغربي وعلى رأسهم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية... ففي إطار انعقاد المؤتمر السابع للقطاع النسائي، ومن خلال ما تمت المطالبة به حول فتح باب الاجتهاد في مجموعة من القضايا، اعتبرها الكاتب الأول للحزب السيد: ادريس لشكر، في لحظات تتميز بالتفاعل والحماس وفي ظل التطورات المجتمعية المتلاحقة، إضرارا بحقوق النساء، تقتضي الضرورة صونا لكرامتهن، التعجيل بمراجعة أحكام الإرث وتجريم تعدد الزوجات، لقي إثر ذلك تجاوبا جعل المؤتمرات تطالبن بتحقيق المساواة بين الجنسين والحق في الإجهاض، فما كان من شيخنا الوقور إلا أن استشاط غضبا ونزل بكل ثقله يوزع الشتائم يمينا وشمالا بدءا بالسيد لشكر الذي وصفه بالكفر والسفاهة، معتبرا دعوته مغرضة يروم من خلالها مسخ الهوية الإسلامية للمجتمع، دون أن يسقط من حساباته شخصيات من رموز الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: الشهيد بنبركة المرحوم محمد عابد الجابري وعبد الله العروي أطال الله في عمره وآخرين، نعتهم جميعا بالردة والكفر، والنساء بالبغايا، بل لم تفلت من سمومه لا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ولا العلماء الأفاضل والمؤسسات الدينية...
وكم كان سيبدو رائعا ومبدعا لو لم يكن يضمر حقدا دفينا لمن مرغ بكرامتهم في الوحل، واستطاع هذا المسمى عبد الحميد " أبو النعيم" ، تحويل غضبه المفرط إلى هدوء وسكينة، ودعا الأستاذ لشكر بالتي هي أحسن إلى لحظات مكاشفة عبر نفس الوسيلة، و طالبه بالتراجع وديا دون تشنج عما صدر عنه من تصريح، كأن ينبهه إلى أنه ربما يكون قد تسرع في المطالبة بمراجعة أحكام الإرث، باعتبارها أحكاما قطعية لا يجوز مناقشتها، وأنه بصفته كاتبا عاما لحزب سياسي عريق يجدر به النأي عن القضايا الدينية، التي من شأنها إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار، وما إلى ذلك من الطرق التربوية والبيداغوجية، بصفته أستاذا للتعليم الثانوي التأهيلي لمادة التربية الإسلامية، أم نسي شيخنا وهو سيد العارفين قوله تعالى في سورة النحل آية 125: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين" صدق الله العظيم، وهو الذي ظل يعطي دروسا عديدة ومتنوعة في الوعظ والإرشاد لآباء وأولياء التلاميذ في المساجد والبيوت، فبالله عليكم كم يكون أنتج لنا من خلايا نائمة بيننا طوال كل هذه المدة؟ لقد حول الأبناء والآباء على حد سواء، إلى وقود لإشعال الحرائق متى ضغط على الزناد. ولا غرو أن نجد بعض أتباعه وهم كثر، يدعون الناس من خلال المواقع الاجتماعية، إلى الصلاة والإخلاص في الدعاء لشيخهم، حتى تزول الغمة ويأذن الله بالفرج ويخرجه من هذا الابتلاء، بنصر دينه ونبيه، وبتثبيته على قول الحق مهما كان الثمن باهظا. ونحمد الله على أن ردود فعل هؤلاء المريدين الطيبين إلى الآن، جاءت بهذا السلوك الخالي من مظاهر العنف والإرهاب المجرد من حمل السيوف والسكاكين، لكن من أدرانا بأن هناك من المتشددين من مازالوا يتحينون الفرص المواتية للقيام بما هو أخطر وأفظع ؟ فهل تفجيرات 16 ماي 2003بعيدة عن ذاكرتنا؟
فالتطرف الديني وخطر الإرهاب، باتا اليوم يتهددان مجتمعنا من خلال ما يروجه مثل هؤلاء الشيوخ، الذين استعاضوا عن نشر تعاليم ديننا السمح وقيمه الأخلاقية، الداعية إلى التسامح ونبذ مشاعر الكراهية، ببث سموم الفرقة والتنافر بين أبناء المجتمع، يكفرون من يخالفهم الرأي ويصورونه للناس مرتدا يستباح دمه، لأنه في خيالهم المريض يسعى إلى إشاعة الفاحشة بينهم عن طريق الطعن في كتاب الله وسنة رسوله، وفي تشجيع الزنا وشرب الخمر والإجهاض... وأن المرتدين والزنادقة الملحدين، هم من يقفون اليوم في وجه الدين الإسلامي الحنيف، يضايقون أتباعه المخلصين باستفزازاتهم الدائمة، ويطالبون دون تريث بالمزيد من الحريات وبتطويع النصوص القطعية لمقتضيات الحداثة، ووفق مشيئتهم ... ولأشد ما نخشاه ويثير قلقنا، هو أن يجرنا هؤلاء المشايخ سامحهم الله، إلى الزمن الغادر: عهد ما سمي في بداية التسعينات ب"أمراء الدم"...
علينا ألا ننحني لمثل هذه الزوابع والاكتفاء بإحصاء خسائرها، دونما وقفات تأمل عميقة لتقييم الأوضاع، فأبدا لن نستطيع التقدم خطوة إلى الأمام نحو تحقيق النماء والازدهار، من غير توافق أو تكافل اجتماعي، فلابد لنا من الحوار المثمر، المحبة والتسامح، واحترام الرأي ومبدأ الاختلاف، والدفاع عن الحرية والعدالة...
التعليقات
1آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
كمال الصغير
صبيعي تم
بسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة والسلام على خير المرسلين ،و الله لم أجد بماذا أعبر عن هذه الظلامية للاشتراكيين الا بقول الله تعالى و التقو فتنة لا تصيبن اللذين ظلمو منكم خاصة