جسد وروح
حذيفة أعبيا
لا يزال جسدي معي ، غير أنه قالب خاو لا تقطنه روح ، فقد هاجرته منذ اليوم الذي صار قلبي ملكا لغيري. وجداني غير قادر على الاقدام بأدنى خطوة ما لم يسمح له ، هو مجبر على الاستئذان ، مرغم على الانصياع لما ليس له فيه ارادة. أضحى جسدي أرضا جرداء قاحلة ، لا معنى للحياة فيه ، منذ قررت روحي الرحيل عنه بعيدا الى مكان حيث اللاوجود ، صارت حاله كوطن عرض للإخلاء من ساكنيه ، فقد هوية كان يفتخر بها وكيانا كثيرا ما اعتز به ، اذ صار عرضة للأطماع ، متآكلا من كثرة تحديق العيون به ، فكل الوحوش تترقب فرصة الارتياع عليه.
حكم على روحي بالتشرد ، فقد صارت مكرهة على التحليق من مكان الى مكان ، تحوم في كل الأرجاء والبقاع دون هدف ، تنشد جسدا يأويها من قسوة قر النكران ، آملة العثور على قالب يناسب ما فطرت عليه من سذاجة ، لكن الحلم كان صعبا تحقيقه بل هو مستحيل المرام. كانت روحي متفائلة أكثر من اللازم ، حالمة بالمحظور ، فمن المستحيل أن يعثر الفرد على وطن آخر يأويه ويضمه الى أحضانه مالم يكن وطنه الأصلي ، انما طموحه ذاك سيظل لصيق الأوهام ، فمن ذا منا يقبل الآخر ابتغاء في الفضيلة. روحي تبحث عن المعاناة في غياب التفكير ، فأين لها بالفردوس أو كرامة العيش في جسد لا يقربها ، ذاك شأن شعب تنكر لوطنه الحبيب قصد العثور على جزيرة كنز وهمية.
لن تقبل أي أرض أن تغطي جسدي بثراها ، فقد فقد أغلى ما يملك ، تم فض شرفه بأبشع الصور ، تعرض للاغتصاب بطريقة شنيعة والمغتصب كانت روحي، روح هي الأخرى حقت بها اللعنة بعد أن عاثت فسادا في المقدس ، لطخت سموه وعفته فكان لا بد لها من أن تلعن ، فقد استحقت ما نالته بعد ما اقترفته من خطيئة مخزية ومذلة ، لذا حكم عليها بالتسكع من مكان الى مكان ، بالتشرد دون استقرارها على عنوان ، فلا يلم شملها جسد انسان ولا حيوان.
هما اذن جسدي وروحي اللذان لم يستقرا يوما على حال ، ولم يكن بينهما من وفاق ، حتى كان نصيبهما الطلاق ، ومصيرهما أبدية الطلاق. لقد استحق كل واحد منهما ما نزل به من عقاب ، وذلك بعدم رضاه بما قسم له في الكتاب ، فكانت لعنتهما هذه بمثابة صوط عذاب. لم يرتح لي بال الا بعد أن فقدت وحدتي وتعرضت للانقسام ، خنت نفسي بنفسي معتقدا أنه في وسعي أن يقبلني غيري ، لكن انى لي ذلك وأنا لم أعرف الى حد الساعة من أكون ، فكيف لغيري أن يفعل ، او يقدر منزلتي ويقيم احتراما لقيمتي. لن يفعل ذلك أحد أبدا ، ولن أحصل على ما أصبو اليه ، فقد رآني الجميع وأنا أهين نفسي نازلا بها الى الحضيض ، فكيف لهم بأن يوقروني بعدئذ فعلت ذلك لنفسي. وطن عرف بالبخل مع شعبه، ولم يسقهم إلا علقما، وشعب استهتر بوطنه، ولم يزرع في أرضه سوى خيانة وابتذال، فعلى قدر ما تعطي تنل، وعلى قدر ما تهتم تستحق.
كان لا بد لروحي من أن تعود ، بعدما قاسته من غدر الزمان ، احاطة وعلما بأنها نالت ما تستحق ، وكان من الضروري على جسدي بأن يرضخ للواقع ، اذ يتوجب عليهما العودة لبعضهما وإعلان وحدة من جديد ، لكن هذا لن يتم تحقيقه ما لم يبلغ كلاهما مفهوم التسامح ، لكن كيف لمن تسبب في الزعزعة والشتات بعدما كان يعيش في نعيم الاستقرار ، من أن يتوصل الى ادراك مفهوم التسامح. لن تعود المياه لمجاريها ما لم يتخلص كل واحد من عناده ، ويتطهر من أبلسته وشطنه ، فيسجد أمام عرش الملكوت السماوي قارا ومعترفا غير مستبرئ بما فعله بغيره ، في انتظار قرار عفو سموه وجلالته ، و ارتجاء كرمه الذي لا ينفذ ، لكن ذاك صعب تحقيقه ما لم يدركا درجة الندم ، فمن لم يندم منهما بعدما عاشه من ألم فقد فقد فيه الأمل ورفع عنه القلم. فسلام عليك أنت يا وطني ، روحي وجسدي.
روح شربت من خمر الأنانية، فصارت نجسة بعد ما كانت عفيفة طاهرة، وجسد معتز بنفسه معتد بإثمه، غير قابل للتفهم. روح وجسد تائهان ، ربما لم يكن الذنب يوما ذنبهما ، ولا ما اقترفاه من زلل مسئوليتهما ، فالخطيئة تم ارتكابها منذ زمن سرمدي سحيق ، حيث تم تزويجهما لبعضهما مرغمين دون ارادتهما ، عقد قرانهما دون استئذانهما أو احترام لكرامتها ، فانى أمكن لأمثال هذين الضحيتين أن يتعلما الوفاق والاستقرار ، والأرض التي نضجا بها افتقرت الى بذرة حب ، فهل هناك تضحية وصدق دون حب ؟ وهل هناك حب دون تضحية وصدق ؟ كل هذا غير ممكن توفره ما لم نكن مخيرين في اختيار مصيرنا ، انما مجبرون ومحتم علينا القبول بما فتحنا عليه أعيننا ، لذا ووسط كل هذا كان لا بد من وجود شيء اسمه اعلان التمرد والعصيان، لكن وعلى الرغم من كل هذا، ألم يكن من الأفضل لو تمتعت عناصر كل واحد منا بالإيثار؟ ما كان جسدي سيخسر شيئا لو أنه منح فرصة للتعايش مع روحي ، وكذا الأمر بالنسبة لروحي التي تعنتت ورفضت الاستقرار بجسد نعتته بالرتيب والممل. لكن روحي عشقت المعاناة و جسدي الكبر والاعتلاء، ففقدت موسيقى الحياة ألحانها الطروبة، فصار مطرب الحي لا يطرب.
