الجريمة كظاهرة اجتماعية طبيعية...جريمة "القتل" نموذجا !

الجريمة كظاهرة اجتماعية طبيعية...جريمة "القتل" نموذجا !

عبد السلام جليط

 

إن الجريمة هي ظاهرة كونية، أي موجودة في كل المجتمعات، كما انها ظاهرة تاريخية، أي كانت موجودة في كل المجتمعات عبر مرّ التاريخ، ولمّا كانت كونية و تاريخية، فهي طبيعية/عادية، ولكن ألا يبدو هذا القول متناقضا، فكيف يمكن اعتبار الجريمة ظاهرة عادية وظاهرة اجتماعية طبيعية ؟ أليس هذا نوع من "الجنوح" في التحليل ؟ ومنافيا لما هو متعارف عليه في جميع الثقافات الكونية (حتى البدائية منها) والقوانين والمواثيق الدولية ؟

بالطبع هذا ما يبدو في الظاهر، وهذا ما يعتقده الكثيرون، ولكن أليست الجريمة هي الأصل ؟ ففي البدء كانت الجريمة إذن !!

لقد  اختلفا هابيل وقابيل، تنازعا، فقتل قابيل هابيل وابتدات الحكاية؛ حكاية القتل والإقتتال في تاريخ الإنسانية، فهل يمكن العثور على على مجتمع في التاريخ الإنساني بدون جرائم؛ وخال منها، وبالخصوص جريمة القتل، والتي ليست سوى شكلا من أشكال إزهاق الروح...

إن من بين أهم خصائص الظاهرة الإجرامية، كما يحدد ذلك السوسيولوجي الفرنسي "إميل دوركايم"، خاصية النسبية، بمعنى أن الظاهرة الإجرامية ليست مطلقة في كل زمان ومكان ، بل هي نسبية، فما يعتبر جريمة أو "جنوح" في مجتمع ما ليس كذلك في مجتمع اخر مختلف ثقافيا، نفسيا،عرقيا وتاريخيا..فإذا عدنا إلى مثال "القتل" باعتبارها اكثر الأفعال الجرمية وقعا على الإنسان، نجد أنه بالرغم من كونه –أي القتل- يدخل في الأفعال الإجرامية، بل اخطرها، في جميع الثقافات والقوانين، إلا أن العديد من أشكال وطرق القتل وظروفه أيضا لا تعد كذلك، فالفعل واحد، وهو القتل/إزهاق الروح ، والحكم مختلف !!

فماذا عن وأد البنات في تاريخ الثقافة العربية، لقد كان فعلا عاديا، طبيعيا داخل المجتمعات العربية، يتقبلونه بشكل عادي، بل يدخل في إطار الحفاظ على شرف القبيلة وسمعتها بين القبائل العربية الأخرى...بل إن القتل في الحروب العرقية/الدينية، يصبح واجبا دينيا، أخلاقيا وقوميا أو وطنيا، ترفع لقاتل أكبر عدد من الناس وقاطع أكبر عدد من الرؤوس،ترفع له رايات البطولة، وتقرع له الكؤوس...نخب الإحتفال بالقتل، بالجريمة !!

ويمكننا هنا أن نستحضر هنا نماذج خالدة في تاريخ الإنسانية، منذ قابيل وقصص الأنبياء مع أقوامهم إلى الان..كحروب المسلمين أثناء الفتوحات الإسلامية ضد "النصارى"، الاستعمار الأوروبي لدول العالم الثالث بصفة عامة، وما فعلته في هذه الشعوب...شتق الولايات المتحدة لصدام حسين يوم عيد اضحى المسلمين  أمام كاميرات العالم... وكأن الأمر يتعلق بطقس ذبح أضحية العيد في طقوس الملوك والسلاطين  !! ولا يتعلق بإنسان يقتل وروح تزهق أمام العالم، أليست هذه جريمة قتل؟ لماذا صفق العالم لموته إذن؟

وغيرها من النماذج الكثيرة الأخرى، أما النموذج المتجدد هي الحروب العرقية المتجددة هنا وهناك في اماكن متعددة من العالم...بورما،الصين، الهند...ونموذج" القتل المباح" الذي نراه يوميا في الصراع بين فلسطين وإسرائيل، وإغتيال السياسيين لمعارضيهم...

أليست هذه نماذج حية من ذاكرة الانسانية، على أن الجريمة ظاهرة عادية، ظاهرة إجتماعية طبيعية، بل الأكثر من ذلك أنها هي الأصل، فلماذا لا تجرم كل أشكال القتل إن كان القتل جريمة ؟ بل على العكس من ذلك في كل هذه الأشكال التي سقناها رفع العالم نخب قتل هؤلاء...احتفالا بموتهم وهو يستمتع بقتلهم بأبشع انواع القتل طبعا !!

وهكذا إذن ففعل القتل ليس ظاهرة إجرامية إلا من الناحية النسبية فقط وليس بشكل مطلق ، إذن فالحد الفاصل بين الجريمة وغيرها على درجة عالية من التعقيد عكس ما يعتقده الكثيرون!

وليست الظاهرة الإجرامية ظاهرة نسبية فقط، بل الأكثر أنها ظاهرة "عادية/طبيعية" كما يؤكد دوركيم، فقد وضحنا قبل قليل بعض نماذج "القتل المباح" في التاريخ الإنساني، وهو ما يجعل منها ظاهرة طبيعية، أي أنها كانت في جميع المجتمعات عبر التاريخ الإنساني وليست ظاهرة دخيلة/حديثة، أو غريبة عن المجتمعات، بل منذ بدء قصة البشرية على هذه الأرض، فالقتل "قصّ شريط" بداية الإنسانية، والتاريخ كله مكتوب بدماء "المقتولين"، ولمّا كانت في جميع المجتمعات  عبر التاريخروفي كل دول العالم حاليا، فإنها متوقعة ومتلازمة مع وجود وبقاء المجتمعات، ما دام الصراع هو أساس علاقتنا مع الأخر/الغير.

وقد ساهمت وسائل الإعلام الجماهيرية اليوم في التطبيع مع فعل القتل، فقد أصبح القتل واقعة يومية يعيشها الانسان يوميا ويتعايش معها، حتى اصبح غياب هذه الأحداث هو الذي الاستثناء وليس العكس، وهذا الأمر جعل من "القتل/الموت" ظاهرة إجتماعية يومية، فمنذ الحرب العالمية الأولى والإنسان يقتل بالملايين في الساحات والميادين...

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة