"البقايا الوثنية بالمغرب بين الانقطاع والاستمرارية (الجزء الأول)"
عمر أوهنيك
يعتبر المغرب حقلاً متميزاً على مستوى الدراسات الثقافية، وهكذا كان من البديهي أن يحظى باهتمام كبير من طرف الدارسين على اختلاف تخصصاتهم ومرجعياتهم الفكرية والمعرفية .مع نهاية القرن 19 بدأت بعض الدراسات تحاول شق طريقها نحو مقاربة وفهم بنيات المجتمع المغربي، وتعتبر دراسة "المغرب المجهول" لصاحبها(اوجست موليراس) أولى الكتابات الممهدة للدراسات الكولونيالية التي تلت فيما بعد، وقد تميزت بغزارة في الانتاج وبتعدد على مستوى المناهج.هذه الكتابات وإن كانت محكومة بهاجس توسعي استعماري قصد السيطرة على المغرب واخضاعه بأقل الخسائر ولتفادي تكرار السيناريوهات الدموية في تجربة استعمار الجزائر.يعتبر( شارل دوفوكو وإدموند دوتي) من ابرز الباحثين الذين أولوا اهتماماً للبنيات الثقافية بالمغرب مركزين أعمالهم بشكل خاص عل دراسة"التدين الشعبي"، ذلك التدين المرتبط بالمعيش اليومي للمغاربة الذي يتجلى على مستوى العقائد ويتجسد من خلال الطقوس، مبتعدين عن الدين الأرتوذوكسي ــــ النصي أو الرسمي كما يقال اليوم.
لاشك أن هذا الإرث الاستعماري كما أشرنا سابقاً مرتكز على خلفيات استعمارية، لكنه لا يخلو من أهمية علمية ومنهجية وحسب الباحث عبد الغني منديب"يمكننا التمييز بين ثلاثة اتجاهات رئيسية في هذه الأبحاث ارتبط كل منها بمرحلة تاريخية معينة وبخلفيات نظرية وأيديولوجية مميزة:
1 ـــ الدراسات الإستشراقية "فيستر مارك نموذجاً"
2 ــــ الدراسات الكولونيالية "إدموند دوتي، هنري باصي"
3 ـــ الدراسات الأنثربولوجيا الأنجلوساكسونية "جيرتز،هارت"
ما يهمنا من خلال هذه الدراسات(الاتجاهات)هو قولها بمركزية البقايا الوثنية(les survivances) في فهم منظومة التدين الشعبي بشمال افريقيا عامة والمغرب بشكل خاص، وذلك من خلال التأكيد على كون هذه البقايا متجدرة في الوعي الشعبي ولم يزيدها العامل التاريخي إلا امتداداً وتطوراً لدرجة لم يتمكن معها الدين الإسلامي الوافد من اقتلاعها مما حدى به إلى أسلمة البعض منها"عيد الأضحى، عاشوراء، الاستسقاء(تاغنجا)…أطروحة الكولونياليين توحدت في رد هذه الطقوس إلى معتقدات سابقة على الإسلام وأكثر تحديداً أرجوعها إلى أصول رومانية و أمازيغية.هذا الطرح وإن كان مغالياً ومحكوماً بهاجس اعتبار المغرب إمارة رومانية وبالتالي يبرر الإستعمار بهدف استعادة أرض كانت في الأصل رومانية، فإن ذات الزعم يعكس حقيقة تاريخية وانثربولوجية وهي أنه من الطبيعي أن يكون للمغاربة قبل دخول الإسلام معتقدات وطقوس خاصة بهم في ظل خضوع المغرب ومنذ القدم لكيانات سياسية"الفينيقيين، البونيقيين(حكم الملك الامازيغي باكا)،الرومان، قبل تكوّن الكيانات السياسية الإسلامية في العصرالوسيط(الادارسة)،هذه الفترات التاريخية كان من الطبيعي أن تجعل الوثنية منتشرة ومتجدرة٠مع قدوم الإسلام كان لابد وأن يكون هناك صراع بين "الوثنية" المحلية وبين "التوحيد"(هنري باصي le culte des grottes au Maroc )هذا الواقع الصراعي أدى إلى "أسلمة" بعض المعتقدات والطقوس الوثنية القديمة(تحول طقس الكراكير المقدسة أو أكركور بالأمازيغية إلى أضرحة أولياء حقيقيين أو وهميين:إدموند دوتي في كتابه"في القبيلة").هذه المعطيات تعزز نظرية البقايا الوثنية التي أسّس لها فيسترمارك(Ritual and belief in Morrocco)
يتضح مما سبق أن البقايا الوثنية كان لها حضور في بنية المعتقدات والطقوس المشكّلة للتدين الشعبي ماضياً وحاضراً من خلال أهم الممارسات التي لا زالت إلى يومنا هذا حية.إذا كان هذا الإرث الكولونيالي قد زعم لنفسه الريادة في شرح بنيات المجتمع المغربي، فإن بعض الباحثين المغاربة حاولوا تقويض مختلف الإدعاأت التي نادت بها هذه الدراسات، منهم عبد الله حمودي حيث حاول التأسيس لأنثربولوجية وطنية نقدية للقطع(rupture épistémologique)مع الأنثربولوجيا الإستعمارية ففي كتابه(الضحية وأقنعتها)يفنذ نظرية البقايا حيث يقول أن النتيجة العملية لهذه النظرية هي تجاهل علاقة الطقوس الاحتفالية مع الإسلام أو على العكس من ذلك إبراز توترات هذه الطقوس إزاء الإسلام(الضحية وأقنعتها ص 38).
إذا كان كل اتجاه من هذه الإتجاهات السابقة يدافع عن أطروحته،فإننا لا نرجح كفة على كفة وإنما سنقول بالتداخل والتمازج بين الوثنية والإسلام ودورهما في تشكيل بنية بعض الطقوس والممارسات في المغرب.هذه الطقوس لا تبقى تابتة، بل تتجدد وتتطور بفعل المتغيرات الإجتماعية الثقافية والسياسية.في مقالنا القادم سنحاول إبراز التطور الذي يلحق بعض الطقوس(الإستسقاء) واختيارنا للموضوع المقبل نابع من الرغبة في فهم انتربولوجي لممارسات وطقوس تدخل ضمن ركائز النظام السياسي بالمغرب في انتاج وإعادة إنتاج أليات الحكم والتحكم حيث سنركز على "صلاة الاستسقاء" التي أقيمت مؤخراً
