بعد مرور ثلاث سنوات ماذا تبقى من حركة 20 فبراير؟؟

بعد مرور ثلاث سنوات ماذا تبقى من حركة 20 فبراير؟؟

نورالدين الطويليع

 

مرت ثلاث سنوات على ميلاد سفير الربيع العربي المعتمد بالمغرب، حركة 20 فبراير التي ملأت الدنيا وشغلت الناس واتخذت من الشارع فضاء رسميا للاحتجاج على الفساد، ووجد فيها سياسيون وحقوقيون ونقابيون الأم التي كانت مغيبة وجاء بها القدر فجأة، فارتموا في أحضانها بدون تردد، وعضوا عليها بالنواجذ، رابطين مصيرهم بمصيرها، ولم يمنع هذا من اتخاذ البعض موقفا عدائيا صريحا منها حينما اعتبروها نبتة غريبة وورما سرطانيا تستلزم الاستئصال حفاظا على سلامة الجسد المغربي مما سموه الفتنة الزاحفة التي توشك أن تعصف بقدسية الاستثناء الذي يتمتع به، وفي ظل هذين الموقفين المتناقضين ثمة فئة ثالثة اتخذت لنفسها موقفا من الحركة يمكن أن نصفه بالمنزلة بين المنزلتين، من خلال تناوب مسؤولي هيئاتهم على تبادل الأدوار، وإظهار وجود تيارين داخلها  أحدهما ينتصر للحركة، والآخر استئصالي عدائي، وذلك ليتأتى لهم الدوران مع الزمن وتغيراته حيثما دار، فإن كان من نصر، ظهر المناصرون وقالوا ألم نكن معكم؟ ألم نخض المعارك الطاحنة مع زملائنا من أجلكم؟...، وإن كانت الهزيمة والاندحار سكت هؤلاء، وأخذ الكلمة المناوئون ليعلنوا البراءة، ويؤكدوا ريادتهم في التصدي والممانعة لأباطيلها وترهاتها!.
ويبقى الموقف الشعبي من نضالات الحركة أكثر انتهازية وميكيافيلية، فالغالبية الساحقة التي ظلت تراقب عن بعد تحركات نشطائها، متخذة مسافة كبرى بعيدا عنها، استغلت أسلوب السلطات الحذر، وإرخائها للحبل، ومقاربتها المبنية على التهدئة في غالب الأحيان تفاديا لتفجير الوضع وإشعال شرارة الاحتجاج الخارج عن السيطرة، والوقوع في دوامة حلقة مفرغة من الانفلات الأمني المجهول المصير... أقول استغلت هذه الفئة العريضة أسلوب السلطات هذا، فحملت عصا 20 فبراير لتهش بها على من تسول له نفسه سلبها امتيازات اتخذتها لنفسها في دياجير الليل البهيم، ولتقضي بها مآربها الشخصية في نوع من التهافت المجنون والهيستيريا المنقطعة النظير، وحتى نخرج من دائرة الكلام المجرد سنحاول بسط مظهر واحد من مظاهر التسيب التي خلقها قناصو الفرص على هامش احتجاجات الحركة، من الذين جعلوا هدفهم الوحيد قطف ثمار لم تينع بعد لشجرة لم يشاركوا في غرسها أو تشذيبها، ولم يتعهدوا تربتها بسقي أو تخصيب، ولعل الشوارع العامة التي امتلأت عن الآخر ببضائع الباعة المتجولين بأنانية مفرطة لم تراع حق المواطن في العبور الآمن المطمئن، ولا حرمة الملك العمومي، تشهد على الرغبة الاقتناصية التصيدية لما كانت تفرزه آلة الربيع المغربي، والتي كان يهدف أصحابها إلى مراكمة الامتيازات الشخصية بعيدا عن الروح الوطنية، وبعيدا عن الأهداف التي سطرتها الحركة، وهذا ما سمح بتدحرج كرة الفساد الفارغة من الهواء إلى الطبقات الدنيا والمتوسطة التي تبادل أفرادها ركلات الجزاء وتسجيل الإصابات في الشباك الفارغة، مما ساهم في إلهاء الجميع عن اللعب المنظم بكرة الفساد الذهبية، الذي أجاد لاعبوه خطط التسلل والمراوغة والقذف من بعيد في اتجاهات تضمن لكرتهم الاستقرار بأمان في شباك خارج الملعب، مستغلين هرج السوق الشعبي، وانشغال من كان من المفروض أن يكونوا جمهورا متابعا يصيح ويهتف وينادي على الأسماء المخلة بقانون اللعبة، وينبه الحكام إلى مغالطاتهم وخروقاتهم من أجل رفع البطاقة الحمراء في وجوههم، وفرض العقوبات عليهم... هذا الجمهور تغيب عن كل أطوار المبارة بسبب انشغاله بتثبيت المكاسب الفتاتية تحت تهديد هذا أو ذاك بتكرار واقعة البوعزيزي واستنابتها فوق سطح التربة المغربية، مما خلق وضعا دراماتولوجيا بمسحة إيرونية تحولت معه من كان من المفروض أن تكون القاعدة  الشعبية للحركة إلى فرق يصارع لاعبوها بعضهم بعضا في حلبة صار من يجب أن يكونوا خصما في النزال، وأن يسقطوا بالضربة القاضية من لدن الإخوة الأعداء جمهورا يتابع بتهكم وتشف وانشراح قتالية عمياء يتغيا أطرافها الظفر بما يعتبرونه نهاية الحلم، ويعتبره هذا الجمهور فضلات ومخلفات تصلح في عرفه لشيء واحد هو الإلقاء في مطرح القمامة بما يجسده المثل العربي "مزابل قوم عند قوم موائد".
لقد ساهم هذا العامل إلى جانب عوامل أخرى ذاتية وموضوعية في تراجع دور الحركة وانحصارها وخفوت نجمها بعد ألق عم وميضه كل ربوع المملكة، وقد لاحظنا جميعا الهجمات الإعلامية الشرسة التي ضربت تحت الحزام نشطاء الحركة ونالت من أخلاقهم ومبادئهم ووطنيتهم، وسوقتهم باعتبارهم منحلين أخلاقيا تستهويهم المثلية الجنسية، وينتهكون حرمة شهر رمضان بالإفطار عيانا بيانا، ويهددون أمن البلد واستقراره، ويخدمون أجندات أعداء الله والوطن... مما ساهم في رسم صورة كالحة عن الحركة ورموزها في الأوساط الشعبية، استفادت منه الجهات المسوقة والمتحاملة، وحاولت أن توظفه بما يمكنها من العثور عن ظل، وعن موقع قدم في دنيا الوطن، بعدما فطنت إلى أن أحسن طريقة لبناء الذات وفرضها بهذا الصدد هي هدم الآخر، وهد بنيانه من الأساس، ومع الأسف الشديد وجدت هذه الجهات من يقدم إليها المعاول والفؤوس من داخل الحركة لتمارس عملها التخريبي بأريحية، من خلال تصرفات وسلوكات، رغم أنها كانت معزولة ومحدودة إلا أنها كانت كافية لقلب الطاولة على الحركة والتشنيع بها، دون أن يشفع لها لدى هؤلاء أن الأغلبية الساحقة من مناضليها على اختلاف توجهاتهم الإيديولوجية شرفاء متعلقون حد الهيام بوطنهم، همهم التطلع إلى مستقبل أفضل ترتسم فيه الابتسامة على الشفاه، وتزول معه أورام الفساد وبؤره الخبيثة، وتتأسس على ضوئه معالم دولة ديمقراطية حديثة تتسع لأحلام الجميع

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة