مجرد المطالبة بالاستقلال!!
سعيد المودني
في بداية كل سنة ميلادية يأخذني التأمل في يوم عطلة رسمية توافق 11 يناير بمناسبة حلول ذكرى تقديم عريضة المطالبة بالاستقلال!!
محل التأمل وموضع العجب ازداد هذه السنة حينما رمقت جزئية بسيطة في خبر نشر في إحدى الصحف الرقمية الوطنية مما ورد فيه: {...وثيقة المطالبة بالاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، التي وضعت بين يدي الملك الراحل...}..
تيارات في الفكر السياسي تعارض أصلا الاحتفال بعيد الاستقلال من حيث المبدأ، إلا إذا كان ناتجا عن تقسيم(دولة جنوب السودان) أو ما شابه مما يمكن أن يعبر عنه -أكثر دقة- بعيد التأسيس بدل الاستقلال.. أما الاستقلال عن احتلال من طرف قوة خارجية ساد لمدة معينة، فهو لا يماهي مدلول "العيد" المفترض فيه أن يدل -خاصة فيما تعلق بالشعائر والعواطف الجمعية- على فرحة مستحقة نتيجة تحقيق إنجاز من طرف الجماعة المحتفلة، الشيء الذي ينتفي في هذه الحالة، حيث لم يتعد الأمر تصحيح وضع اختل في عهد نفس الجيل أو جيل آبائه أو، لربما، جيل أجداده، وهذا ليس مدعاة للفخر ولا حتى مجرد فرح، لمن يقدر ذاته!!
الأمر عندنا في المغرب أكثر وضوحا وأعمق تعقيدا، ذلك أن كل مواصفات الاستثناء وتعويض النفس عبر تضخيم الذات حاضرة وبقوة..
يبدأ الاستثناء منذ أكثر من 12 قرنا حين انشقاق القطر وشق عصى الطاعة وخروجه عن وحدة الأمة، استثناء آخر تجسد في استقواء حاكم البلاد بالإفرنج على خرجات وثورات شعبه عبر إمضاء عقد حماية يستلزم احتلال البلاد!! تتوالى الاستثناءات حين يقرر المستعمر(الفرنسي بالخصوص) ترك البلاد نتيجة مفاوضات تفضي إلى أن يكون أهل الأرض أحرس على مصالحه أكثر منه!!
الشاهد هنا: احتلال دخل البلاد تحت الطلب، ومكث فيها حوالي 44 سنة(أي دخل وخرج في حياة نفس الجيل)، وخرج بتسوية لازالت قائمة حتى الآن يرعاها مخلصوه، فنسمي ذلك عيدا، وكأننا {قد اشتقنا النصر فسمينا الهزيمة الانتصار}، على حد قول تميم البرغوثي!!
بل الأدهى والأمر أن نبالغ في {التماس العطر في الورود البلاستيكية}، كما قال أحمد مطر، فنسمي يوم "تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال" عيدا!!!
ما كان المطلوب إذن لكي يكون يوما كسائر الأيام؟؟ ألا نقوم بمجرد تحرير طلب عبر تسويد بياض ورقة بسواد مداد، أو ربما كان صمغا؟؟ هل مجرد ذاك التسويد كان إنجازا؟؟ أإلى هذا الحد هنّا؟؟ إن التضخيم هذا له تفسير واحد لا شريك له: إنه تكريس لدونيتنا إلى حد اعتبار أن مجرد وجودنا أحياء هو شيء فوق العادة، لا نستحقه!!!
جزئية أخرى وسؤال فرعي آخر أثاره الخبر السالف الذكر: {...وضعت(الوثيقة) بين يدي الملك الراحل}، هل رئيس الدولة يكون أول من يقود كفاح التحرر بكل أشكاله السياسية والعسكرية... أم أنه ينتظر من يضع بين يديه محررات المطالبة بالاستقلال؟؟ وإذا لم يوضع أي طلب؟؟!!
في نفس المنبر، وفي سياق متصل، ورد خبر عن تخوف فرنسا من توجه الصين وأمريكا إلى مزاحمتها في المغرب!! ولا نعرف إذا كنا دولة مستقلة هل نملك إرادتنا في البحث عن الشريك النافع تحت حكم قاعدة العرض والطلب في تحقيق المصالح، أما أنا سنبقى مرهونين لـ "ماما فرنسا"، تحقق مصالح شعبها هناك، وتضمن امتيازات "أبنائها" هنا؟؟!!! أما أنا محكوم علينا أن نبقى حديقة خلفية تخزن فيها الفواضل وترمى فيها الخردة وتجرب فيها المناهج ويرسم فيها التعبير ويؤخذ منها الإنتاج وتفرض عليها البضاعة... مجال نفوذ تاريخي وتبعية حتمية!!
نعم هي فرنسا كانت بالأمس القريب جدا "دولة الاستعمار الغاشم"، وبالتالي هي العدو الذي وجبت محاربته لكونه استعمر بلدنا ونهب خيراتنا ونكل بشعبنا... وعلى كل هو ديدن المحتل، لا يحيد عنه ولا يلين، ولا يتقن غيره، وإلا لما سمي محتلا ولما وجبت مجاهدته.. الإشكال هو: لم أصبح هو أقرب المقربين وحبيب الجماهير وصديق النخب...؟؟ لم لا يحلو الاستجمام إلا في رحابه، ولا تنفع الدراسة إلا في معاهده، ولا يوثَق العلاج إلا في مراكزه...؟؟
إن نظما حكمت بلدانها دهرا، ومع هذا فهي ترسل أبناء طبقتها النافذة للدراسة في الخارج، وتعالج زكامها بالخارج، وتقضي عطلها في الخارج، وتقتني حاجياتها من الخارج... ولا تستعمل "الداخل" إلا لقضاء الحاجة، لتعطي الانطباع أنها أفلست هذا "الداخل" تماما بحيث لم يعد يصلح إلا مراحيض!!
يحضرني تصغير للمشهد: في أواسط العقد الماضي، وفي إحدى القرى المتحضرة شمال البلاد، كان هناك أستاذ في مؤسسة تربوية عمومية ليس على علاقة طيبة مع بعض الساكنة بسبب اتهامهم له بالتفريط في أداء واجبه، وكانت له بنت تدرس بنفس المؤسسة، وعندما افتتحت مؤسسة للتعليم الخصوصي بالمنطقة، نقل الأستاذ كريمته إلى المؤسسة المحدثة، آنذاك ثارت ثائرة السكان بحجة أنه أكد لهم بالملموس اتهامهم له، وبرهن على صدق دعواهم، إذ لو كان يؤدي واجبه ويثق في أدائه لترك بنته تكمل دراستها مع أبناء الشعب في مؤسسة التعليم العمومي التي يشتغل فيها!!
إن ممارسة أنظمتنا العربية تؤكد النظرية التي تطابق بين الاستبداد والاحتلال وتجعلهما وجهين لعملة واحدة، بل وتجسد هذا التطابق.. فكلا النمطين متسلط أخذ الحكم قهرا، ليس له شرعية ولا امتداد، وكلاهما لا يهمه من البلاد المقيم فيها إلا مصالحه الشخصية ومصالح من يؤمّنون أركان حكمه، وكلاهما جذعه في المقام فيها وجذوره وفروعه في الغرب!! وإذن فكلاهما وجبت مقاومته..
وجه الشبه كما قلنا كبير حد التماهي، ومن ذلك ذكرا لا حصرا: وظيفة الأجهزة الأمنية.. فإذا كان الاستعمار لا ينوع كثيرا في الأجهزة، كلها لها دور واحد هو ضبط وتسخير الشعب المستعمَر، فإن الاستبداد وإن كان يتفنن في خلق تشكيلات مسلحة متنوعة وعديدة(ضمانا لتجسس كل جهاز على الآخر، وإبراز التنافس في الولاء، واستحالة انقلاب جهاز ما)، يقسمها بين ضبط الأمن الداخلي و-زورا- حماية الحدود، فإنها لا تقوم في الواقع إلا بضمان السلامة الجسدية للحاكم، وتمكينه من الاستيلاء على مقاليد السلطة، وتملكه لخيرات البلاد، وتحكمه في رقاب العباد.. أضف إلى ذلك الميزانية المنفقة على تسليح الجيش وما يرافق صفقاتها من فساد، لتخزن الأسلحة في الثكنات ريثما تصدأ أو "تنتهي مدة صلاحيتها"، هذا بالطبع إن لم تستعمل ضد شعب نادى برغيف خبز هنا أو ومضة كرامة وبريق حرية هناك!!
كيانات بعضها أمام ووراء وجنب بعض، اختلاف في الأشكال والألوان والقيادات للتيقن من توجس البعض من البعض وحراسة بعضهم بعضا!! مخابرات يدها "مطلوقة" في بَر الله وبحره وجوه، مسخّرة لها كل مقدّرات الأمة، من أجل التجسس على الشعوب والوشاية بها خشية غِيبة الحاكم أو التنمم به!!
لا أعداء لنا في الخارج، فلماذا إذن نؤسس الجيوش أنواعا وفرقا ونسلحها؟؟ ولماذا نقيم مخابرات وفرقا خاصة؟؟ تكفينا فرق "الأمن" الداخلي ومخابراته!!
