كتيبة المقاومة القابضة على الجمر
سعيد المودني
بالنسبة للمغيبين من بني جلدتنا الذين ابتلينا بهم في هذا الزمن الرديء، الحرب إنما هي على الإرهاب، والإشكال متجسد في التطرف، والتعسف سببه التشدد والتزمت!!
يا عالم، هل مسلمو إفريقيا الوسطى وميانمار متطرفون؟!! هل توجد حروب إلا في بلاد المسلمين؟! اللهم إذا كان المقصود بالتطرف ذات الإسلام، وهذا هو الواقع فعلا.. ما هو إسلام الوسطية والاعتدال؟ هل هو إسلام البيت الأبيض؟ من يحدده؟ هل معهد كارنيجي؟ آتونا نظريات ونماذج لإسلام وسطي معتدل مجاز من طرف مرجع معتمد في زمننا هذا أو في الزمن الغابر، ونحن له من التابعين ولكم من الشاكرين، إذ تكونون قد خففتم عنا ما يثقل كاهلنا من التكاليف الشاقة.. لكن في انتظار أن تأتوا به -ولن تأتوا بشيء ولو اجتمعتم له وكان بعضكم لبعض ظهيرا- فخلوا بيننا وبين إسلامنا.. لقد سئمنا القيام بدور الدفاع والتفسير والشرح والتبرير... وآن الأوان أن نهاجمكم ونطالبكم بالقيام بدوركم المزعوم فتحددوا لنا ما تدعون من سماحة ووسطية واعتدال في نسقية شرعية مأصلة مفصلة.. آتونا إسلامكم يا من لم يقرؤوا مصحفا يوما وما قرؤوا تحت ظرف معين لم يحيطوا من علمه بشيء، ولم يطالعوا تجميعا لأحاديث ولا يفقهون معنى لمضمون متنها ولا طريقا لتفصيل سندها، ولا ولم يعرفوا حتى لمجرد تبويب العلوم الشرعية وابستمولوجيتها نزرا... إنها مجرد ببغائية مجانية أو -في أحسن الأحوال- خدمة الدفع المسبق، مدفوعة الأجر بالعملة الصعبة!!
إن الإجابة عن تساؤل بسيط يمكن أن تميط اللثام عن كثير مما يراد له أن يكون إشكالا: ماذا لو تركتنا قوى التحكم الشيطانية الخارجية وأذنابها العملاء في الداخل لحالنا، نعبد الله ونطبق شريعته كما أمر؟؟ لقد مرت البشرية بهذه التجربة، فكانت أكثر مراحل التاريخ ضياء وعدلا واستقرارا!! ماذا لو كان العالم فاضلا(مسلما) في جميع مناحي حياته؟؟ ماذا سيخسر المناوئون؟؟ أين الإشكال أصلا؟!!
إن المزايدة والتنافس في التكالب على النيل من معتقدات المسلمين وشعائرهم قد أصبح موضة ومؤدى عنها أيضا، فهي تجلب الرزق والشهرة والحماية.. شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ومجادلة.. إنها مؤامرة كونية ضد جيوب المقاومة الممثلة في حرَس القيم والأخلاق في الخندق الأخير..
إن المتآمرين هؤلاء لا يمكنهم إطلاقا -على سبيل الذكر- أن يفسروا إلزامية طقس ثابت في شكليات الاحتفالات بنزول اختراعات جديدة إلى سوق التقنية، أو تتويج أبطال مسابقات سرعة المحركات، أو تقديم وتتويج أبطال الملاكمة وباقي فنون الحرب... بظهور كتل لحمية حية أنثوية عارية!!! ما هو دورها وما ضرورة حضورها وما تفسير الإصرار على ظهورها أيضا في جل صفحات الجرائد دون سياق؟؟!!! بل لماذا الحرص والإصرار على العري أصلا؟!
إن غاية مدرك هؤلاء الأراذل هو التبجح بفتوة كرطونية أثناء لعب دور البطولة عبر ترويج مصطلحات تم نحتها في ما وراء البحار قصدا، فتجدهم يتباهون بإبداء بذاءة مقززة يتفاخرون فيها بـ"اقتحام" "طابوهات" تمس "المسكوت عنه" المتعلق بخِلق الآدمي وحياته في شقها الذي لا ينبغي أن يعرفه أحد من الإنس غيره هو، وربما شريكته.. وكأن المطلوب أن يأتي الذكر من البشر أنثاه في الشارع العام، أو أن ينشر ما يشعر به من نشوة أو حاجة على لوحات الإشهار، حتى لا تبقى "طابوها" ولا يكون هو مكبوتا.. إنها الرغبة في التطبيع مع الحيوانية البشعة في أحقر صورها..
نتفق أن المنهي عنه هو النفاق، أي الجد في إظهار الصلاح من فاسد، لغاية تحقيق مكاسب، لكن تفادي النفاق لا ينافي بتاتا التستر عند الابتلاء الذي قد يصيب المرء، تماما كما لا يعني إطلاقا ممارسة الشهوات المباحة أمام الملأ والمفاخرة بها، أو حتى قضاء الحاجة أمام أعين الأنام.. وإلا ننزع ثيابنا ونفْرط آصرة الأُسر ونمارس شيوعية الجنس في أقصى صورها: الكل مباح للكل دون التزام أو مسؤولية، يكفي رضى الطرفين.. وهذا هو بيت قصيد الحثالة لا مكنهم الله من دناءاتهم هذه.
إن "طابوهات" هؤلاء الأقوام الأقزام وعنترياتهم في "فتحها" و"فضحها" لا تكمن إلا فيما تعلق بـ"الجنس" أو الدين!! فبصيرتهم لا يمكن أن تلتقط ما يقض مضجع الشعب من فساد سياسي أو اقتصادي أو حتى أخلاقي مرتبط بتحكم فردي وتكتل أباطرة الريع والتنفع،، كل ذلك نتيجة غياب شرعية تتيح تحقيق مبدأ ارتباط المسؤولية بالمساءلة والمنصب بالمحاسبة..
إن الفئة الوحيدة التي يمكن أن يُلتمس لها العذر في هذا التوجه المُنيل من الدين والمتهجِّم عليه، هي تلك التي لم تعرف معنى للدين، والذي لا علاقة لما يدعيه حكام الأعراب من تمثل لأصوله، فاختلط عليها الأمر حتى أصبحت تنكر الدين من حيث هو كذلك، نتيجة المتاجرة به واستعماله وتوظيفه واستغلاله للتحكم في رقاب الناس، وهي محقة في الامتعاض من هكذا استغلال، لكنها لو عادت إلى أصول الدين التي جاءت بالعدل والعدالة والحرية والكرامة والعزة والأنفة... ثم قارنَتها بما يصنع هؤلاء الحكام، لتبرأت منهم عوض التذمر من الدين البراء!!
إن الصراع الحضاري صراع استئصالي بالقوة، فالحضارات أضداد، والضدان لا يرتفعان ولا يجتمعان، وغاية ما هنالك أنه حينما تسود حضارة متحضرة -كما ساد الإسلام دهرا- فإنه يترك الفرصة للمنافس أن يندحر من تلقاء نفسه مع الزمن، حتى يذوب فيصبح منتميا عقيدة ولغة وتقاليد، وإن طال الأمد.. أما مسألة حوار الأديان فما هي إلا مزحة ساذجة "زهومة"، لا يصدقها حتى القائمون عليها، ولا يستسيغ ريحها حتى مطلقوها.. كيف نتحاور حول معبودين مختلفين؟ نعبد يوما هذا ويوما ذاك مثلا؟؟!!!
خلاصة القول أنه حينما تتابع معاناة أبناء التيارات الإسلامية السنية غير المدجنة والمتعاطفين معهم في مصر أو سوريا أو العراق أو سري لانكا أو بنغلاديش أو إفريقيا الوسطى... من قتل وحبس وتعريض وتضييق وحظر وطرد... من طرف أنظمة بقدر ما لها من قدم في الوجود بقدر ما تمثل من تخلف على جميع الأصعدة الحضارية والتقنية والعلمية والفكرية... بقدر ما تمثله من تبعية لقوى الاستكبار العالمي التي عملت طول عمر وجودها على تحجيم الإسلام أو دحضه سواء عبر الحروب الصليبية أو الاستعمار المباشر أو "توكيل الدمى"... أقول: كلما ترى هذا تقفز إلى ذاكرتك مباشرة المشاهد التي ضمنها السيد العقاد -رحمه الله- في فيلم "الرسالة" أثناء إبراز مظاهر الاضطهاد والتعذيب التي تعرض لها الرعيل الأول من الصحابة: "آل ياسر" و"بلال الحبشي"، رضي الله عن الصحابة أجمعين، من طرف صناديد قريش.. فكأن التاريخ يعيد نفسه!!
