زيارة فاشلة
محمد منير
زرت مؤخرا الثانوية التي يدرس بها أحد أبنائي في إطار متابعة السير الدراسي وتعهده بانتظام ، وعند وصولي التقيت بالسيد مدير المؤسسة واستقبلني بحفاوة لائقة حيث تجاذبنا أطراف الحديث من هنا وهناك داخل مكتبه المتواضع والغير المنسجم ، بعد ذلك قمنا بجولة خفيفة ببعض مرافق الثانوية ليرني السيد المدير ما أنجز من أشغال وترميمات على مستوى البنايات والتجهيزات وما إلى ذلك من هذه الأمور المهمة ، ولكن الملاحظات التي كانت لدي وبإلحاح هي ماذا عن العنصر البشري الأستاذ والتلميذ ؟ ماذا عن التربية والتعليم ؟ ماذا عن التربية الثقافية والفنية ؟ ماذا عن المقاربة التواصلية والتشاركية ؟ ماذا عن المصاحبة التربوية والمرافقة الاجتماعية والنفسية للتلميذ بل وحتى الأستاذ ؟ وخصوصا عندما بدأ يشتكي من بعض الممارسات اللاتربوية من بعض التلاميذ ، وكذلك لما أراني نماذج من الكتابات والشعارات والإشارات التي يخطها البعض منهم على جدران الثانوية مستنكرا ذلك منهم وبغضب شديد أما عن تساؤلاتي فلا جواب ، وبدا لي أنه ولا حتى برامج تهدف إلى استيعاب أو تحقيق ولو النذر القليل مما تساءلت عنه أو مما اشتكى منه ؟ صارحته مباشرة برأيي فيما يقع وبكل وضوح وقلت له بأن الخطأ من الجميع إدارة ومدرسين ووافدين وكذلك جمعية الآباء في غياب برامج تواصلية متنوعة حقيق بها أن تملأ الفجوة والهوة العميقة بين الأطراف وبرامج من شأنها إغناء الفكر والحس المجتمعي بالمسؤولية والوعي الحضاري عند جميع الأطراف وأن الإدارة تملك القدرة على تحقيق ذلك من خلال فضاء المؤسسة وأساتذة أكفاء وهناك جمعية الآباء ومجالس التلاميذ والتلميذات وكذلك نيابة التعليم والأكاديمية ، ولكن كان رد السيد المدير على كلامي كمن ينفث في قربة مقطوعة من قبيل غلق المنافذ وأن الأمر وبكل بساطة ليس سهلا كما يبدو لي في غياب الإمكانات المادية والمعنوية حيث لا ميزانيات ترصد للأنشطة الثقافية والفنية ولا موظفين في هذا الاتجاه ، أما عن الأستاذ فهو لا يملك وقتا لهذه الأشياء التافهة إلا قليل ما هم ، والحقيقة أعترف أن الظروف من الصعوبة بمكان في ظل تسيب ولامبالاة من الجميع واحتقان وقلق واضح فاضح تظهر أعراضه عند أبسط احتكاك أو مجرد نظرة وإن كانت بريئة من هذا أو ذاك لتشعل فتيل هرج ومرج لم يكن في الحسبان ولا يدري أحد إلى ما سينتهي مآله إن بطرد تلميذ أو بجرح استاذ أو ما شابه ، حقيقة شعرت وأنا أطوف بالمؤسسة كأنني أمشي داخل حقل ألغام بشرية قد تنفجر في وجهك في أية لحظة دونما سبب ومن غير سابق إنذار ، كذلك شعرت كما لو أنني في سوق أو حافلة أو في زحمة الطرقات .
وفي أحد المكاتب الذي يقدم بعض الخدمات الإدارية حيث تشرف عليه موظفة أستاذة سابقة على ما يبدو من خلال تعاملها الجاف مع التلاميذ ونظرات مقيتة هذا إن هي نظرت إليك بادي الرأي ، نظرات مليئة بتراكمات الإرهاق النفسي والجسدي من جراء المناهج التعليمية الفاسدة إضافة إلى مرض الوظيفة الإدارية بالثانوية التي تشبه إلى حد كبير الوظيفة العمومية وما يحيط بها من ملابسات كما لا يخفى على علمكم ، وما هذه الأستاذة الموظفة إلى ضحية موروث تعليمي هزيل وفضاء تربوي رذيل .
ومما زاد في الطين بلة وأنا أجلس بصحبة ولدي بمكتب السيد الحارس العام إذا بإحدى الأستاذات تقتحم المكتب وقد تغير لون وجهها وتتطاير من عينيها شظايا الغضب والهيجان مشتكية من مجموعة من تلاميذ كانوا يقرعون عليها باب الفصل بعنف وقلة أدب متوعدة إياهم بالويل والثبور ، هؤلاء الذين قد منعتهم سابقا من دخول قسم التدريس بسبب التأخر ، وخصوصا أحدهم سمته باسمه ولقبه ، يبدو أنه تلميذ مشاكس وعنيد ، وفي هذه الأجواء المكهربة والحامية الوطيس والتي في غالب الأحيان يغيب فيها التركيز والوعي والقرار الصائب ، يصدر الحارس العام حكما غيبيا غريبا مشمولا بالنفاذ السريع في حق هذا التلميذ المذكور في التو والحال دون الرجوع إلى هيئة أو مجلس أو شهود أو حتى الاستماع للمتهم ، هكذا بانفعال وتفاعل بينه وبين الأستاذة ، أنا لا ادافع عن ممارسات هؤلاء التلاميذ كما لا أقبل مثل هذه التصرفات الهوجاء من مسئول إداري وتربوي من قبل هذا وذاك ، إنه ببساطة رد فعل طبيعي في غياب المعرفة والتكوين والجهل بأبسط أبجديات التربية والتعليم ، وانعدام الجسور التربوية والتواصلية الكفيلة بإنجاح عمليات الولادة الصحية للمواطن السليم ، حقيقة لا أرى حالة مزرية أقبح من هذه إلاها في ظل سخافات الحكم المتبع في المغرب في هذا القطاع بالخصوص وكل القطاعات على العموم ، كان هذا غيض من فيض مما ترزح تحت وطأته المؤسسات التعليمية في بلدنا وما خفي كان أعظم.
