إيمان أم اقتناع؟!

إيمان أم اقتناع؟!

سعيد المودني

 

إن حدود وآليات وكيفيات استخدام العقل مرتبط أشد الارتباط بمجموعة التعريف أو المنظومة-الإطار التي تحدد مجال الدراسة أو الاستعمال. فقواعد الفيزياء لا تُمنطق ظواهر السحر في أدغال إفريقيا، كما أن قوانين البيولوجيا لا تفسر شطحات فرق "عيساوة" المغربية أو "نظيراتها" في الهند أو الفلبين، وكونية روح القانون الجنائي لن تبرر السماح باستهلاك المخدرات أو الدعارة في هولندا، وبديهيات المنطق في تعريف وتحديد الصواب والخطأ في القانون والقيم الإنسانية الكونية لا يمكنها إيجاد مخرج لسلامة صرامة تنفيذ الأوامر العسكرية الهوجاء القاسية التي لا تمكن طاعتها وقت السلم والرخاء، واستلزامات الرياضيات لا يمكنها تبرير عبادات أو عقائد أو حتى أحكام متعلقة بمعاملات.. بحيث لا يعقل مثلا أن تباح زيادةٌ -عن التأخير- على رأس المال في البضاعة ولا تباح في النقد، مع توارد -نظريا- شبه قياس!! غير أن الله تعالى قال: {...ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. وقال في موضع آخر، استكمالا للطرح ورفعا للبس وحسما للموقف: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}. ولا يمكن لـ "عقل مجرد" أن يستسيغ إحلال لحم حيوان مذبوح وتحريم لحم نفس الحيوان مات أو قتل بطريقة أخرى، أو إحلال لحم حصان وتحريم لحم حمار(على سبيل المثال لا الحصر)، أو إحلال الصيد في مكان وزمان معينين وتحرميهما في ظروف أخرى، أو إحلال القتال في أشهر وتحريمه في أخرى...

إنه الدين، والدين إيمان، والإيمان لا يعتمد على محض الاستدلال العقلي المنطقي النظري المجرد، لأن العقل يعتمد في تحليله واستنتاجه الآنيين على مدخلات آنية وبرمجيات سابقة رسّمت أحكاما وبديهيات ومسلمات ومقدمات ونتائجها الحتمية... والتي(البرمجيات) تكونت بدورها بنفس الآلية: مدخلات وبرمجة... وهكذا إلى أن نصل نقطة بداية استخدمت فيها مدخلات فقط.. والمدخلات مصادرها الإنسان والمحيط، وقنواتها الحواس.. إذن أوليات الاستدلال هي المصدر والحواس، وهما ينتفيان في حالة الإيمان الذي كنهه الثقة والتصديق، ولو أراد الله تعالى أن يكون الاقتناع بدل الإيمان لفتح لنا نوافذ على الغيب والمصير -وهو سبحانه على ذلك قدير-، ولآمن كل من في الأرض من "العقلاء" دون استثناء، ولاستوى ذوو الحواس و"العقول"جميعهم، لأن العين ترى والجلد يحس، فيكون الاقتناع بضرورة اختيار المصير، تماما كما نختار مصيرنا هنا في هذه الدنيا عبر تلافي السقوط في النيران الموقدة أو البراكين الثائرة أو البحار الهائجة أو المياه المتجمدة.. لكنه الابتلاء لاصطفاء المصدقين بقلوبهم، غير المؤلِّهين لعقولهم، المتجاوزين لحواسهم المتشاركة مع كافة بني البشر..

لو كان الأمر يتطلب مجرد عقل ومنطق سليمين بالمفهوم العقلاني، لكان فطاحلة علماء العلوم المادية(الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا بمختلف أقسامها وتفريعاتها...) كلهم مؤمنون عبر التاريخ.. مع ما يحاول بعض العلماء المسلمين المخضرمين بين العلمين الشرعي والكوني أن يستغلوا ويوظفوا من بعض وجوه وصور الإعجاز العلمي المتاحة في مصادر الدين..

بالنسبة للعلوم الكونية الدقيقة الحقة الأمر محسوم: منطق كوني وبرهنة موحدة يقودان الاستدلال للوصول إلى نفس النتائج انطلاقا من نفس المقدمات مع توفير نفس الشروط.. أما بالنسبة للعلوم الإنسانية -والبحث البشري في الأديان فرع منها- فعقل من نتبع؟؟ ألا يُرى انقسامات وتفرعات كل جزء من فروعها؟؟

وليس في هذا إلغاء للعقل بتاتا، ولا استئصال للتفكير والتفكر والتأمل، بل هي مطالب من صلب العقيدة والتكليف، ولكن يكون استعمال العقل من داخل النسق، أي في فهم النصوص قطعية الثبوت المسلّم بصدقيتها مبدئيا. فكما يقول متخصصو الإعلاميات حين التمثيل لاستحالة تهيئة جزء من قرص صلب من داخل نظام التشغيل الذي يحتويه: [لا يمكنك هدم بيت أنت ساكنه، إما تصلحه، أو تغادره وتهدمه].. لا يمكن أن تنتمي إلى مؤسسة مدنية أو فكرية أو عقدية وأنت ناقض رافض لقوانينها من حيث المبدأ.. لا يمكن لهندوسي أن يزدري "التولسي" أو البقر، أو يستنكر تقديسهما، وإلا فلا يستقيم أن يكون هندوسيا، بينما ذلك ممكن جدا بالنسبة لمسيحي مثلا!..

 

الشاهد أنه لا يمكننا الانتظار حتى نعرف الحكمة المادية المباشرة من مشروعية حكم ما، ونقتنع "عقليا" بجدواه، كي نؤمن به.. فمن الأحكام ما يمكن أن تظهر لنا الحكمة منها على الفور، ومنها ما لا نعرف ذلك إلا بعد أمد، ومنها ما يمكن ألا نعرف ذلك إطلاقا، ومنها ما نتصور معرفة ذلك ليثبت مع مرور الزمن أن ذلك كان ادعاء وخطأ في التصور... فالمعرفة الإنسانية نسبية في الزمان والمكان، أما الدين فهو مطلق، ومعرفة الحكمة من مشروعية حكم هي فضيلة، إذا توفرت يحسن بذلك فهم الشريعة، لكنها ليست أبدا شرطا للإيمان أو التطبيق.. وإلا فسنصبح أمام نظرية تجريبية، نأخذ منها ما صح في الواقع وأثبتته التجربة، ونرفض غير ذلك..

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة