السبيل إلى العزة و التمكين
إلياس الهاني
لا يخفى على الجميع ما حل على المسلمين اليوم من مصائب و فتن و هزائم في جميع بلاد العالم الإسلامي؛ بدءا من احتلال اليهود لفلسطين ،و احتلال الهند لكشمير و تآمر الصليبيين من الكروات و الصرب و غيرهم على المسلمين في البوسنة و الهرسك ،مرورا بالغزو الأمريكي البريطاني على أفغانستان و العراق بما سمي آنذاك بالحرب على الإرهاب، فضلا عما تقوم بها هذه الدول و غيرها من الدول الكافرة ذات النفوذ الاستعماري من بسط قواتها و عتادها على الأراضي الإسلامية؛ من اجل قطع المد الإسلامي السني الكاسح في جميع ربوع العالم؛ فما تقوم به إيران المجوسية من احتلال لدولة الاحواز العربية و إعدام كل من ينادي بالحرية و الاستقلال، و تدخلها في شؤون الدول الإسلامية و قراراتهم و احتلالها لأراضيهم ما هو إلا سلسلة طويلة من ضمن خطتها الخمسينية الرافضية لاحتلال و إنشاء الدولة الإيرانية المجوسية الكبرى بقيادة الولي الفقيه ،و ما قامت به فرنسا من غزو لدولة مالي و إفريقيا الوسطى و إجهاضها للصوت الإسلامي المتنامي في مالي و غيرها و ارتكابها لمجازر أضحت بادية للجميع و إن اخفوا ذلك، ما هو إلا جزء متواصل من حربها على الإسلام السياسي و الأيديولوجي كما يسمونه، و إذا اتجهنا إلى الشرق الأقصى بقيادة الحكومة البورمية البوذية الوثنية و إبادتها للعرق الاراكاني المسلم و فضاعة جرائمها من القرن الماضي إلى الآن؛ و اكتفاء الدول العربية و الإسلامية بالشجب و الاستنكار، فضلا عن الدول الغربية بمشاركتها في ذلك عن طريق الصمت و اللامبالاة ،و هم أصحاب حقوق الإنسان و الديمقراطية و الحرية و حق الشعوب في تقرير المصير، فهذا كل ما استطاعته ديمقراطيتهم و حريتهم في حق الشعوب المسلمة؛ اجتماعات ثم قرارات لا تسمن و لا تغني من جوع إذا كانت لمصلحة المسلمين، فإن كان العكس كما يحدث في مالي و ما حدث من قبل في أفغانستان و العراق فسيكون الأمر مختلفا و بلغة أخرى، و هذا في حد ذاته ليس عيبا عليهم فهم ينطلقون من مصالحهم و أدبياتهم، فاللوم و العار على الدول العربية التي راحت تخدم بكل تفاني و جدارة مصالح أسيادهم من الغرب و الشرق و إن كانت تزعم عكس ذلك ،و هذا ما جعل الشعوب العربية و الإسلامية تنتفض و تطالب بحقوقها المشروعة و المتفق عليها بين العقلاء و أصحاب الضمائر؛ فما كان من حكامها سوى أن ردت عليها بلغة القتل و التعذيب و الوقوف في وجهها، و ما يحدث في سوريا- فك الله أسرها- خير دليل على ذلك، و في مقابل ذلك نجد بعضا من الشعوب الإسلامية بعد تنفسها لنسائم الحرية لا تبرح تعلن ولائها للغرب و منظماته كما يحدث في مصر بحجة أنها راعية السلام و الديمقراطية و الحرية و هي المتقدمة و الحضارية!! منها نتعلم و عليها نتوكل!! و ما درت المسكينة أنها هي السبب في حدوث الشرور و المصائب على الأمة الإسلامية؛ فقد جربت الأمة الإسلامية جميع مذاهب الغرب من اشتراكية، و شيوعية، و رأسمالية، و ديمقراطية، و علمانية،... فما أفلحت و لن تفلح ما بقي فيها هذا الداء فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، فطريق العزة و التمكين و الحضارة و التقدم لا يمكن أن يكون من مناهج أقوام لها طبيعتها الخاصة و ظروف نشأتها لا تصلح أن تعم الجميع، و في هذا يقول الأستاذ محمد قطب: "إن هذه الأفكار و المذاهب هي انعكاس لظروف محلية بحتة في أوربا، و ليست كما هي في حس الأوربيين و من يدور في فلكهم من الشعوب المغلوبة قيما قائمة بذاتها، و لا أفكارا إنسانية تنبع نبعا ذاتيا من كيان الإنسان بوصفه إنسانا" ،فما بقي إلا أن ترجع الأمة بشعوبها و حكامها و رجالها و نساءها و كل فرد فيها إلى مصدر عزها و كرامتها دينها و عقيدتها و ثقافتها فيعملوا بكتاب ربهم و سنة نبيهم؛ فيطبقوا حدودهما و يحكموا بهما كما فعل أسلافهم، و صدق النبي صلى الله عليه و سلم في وصفه لواقع الأمة هذا و كأنه بين أظهرنا إذ يقول: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: و من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل انتم يومئذ كثير و لكنكم غثاء كغثاء السيل و لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة و ليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله و ما الوهن؟ فقال: حب الدنيا و كراهية الموت" السلسلة الصحيحة 958 .و في تبيان الأسباب التي جعلت الأمة تصل إلى هذا الواقع المزري، يقول صلى الله عليه و سلم: "إذا تبايعتم بالعينة و أخذتم أذناب البقر و رضيتم بالزرع و تركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تعودوا إلى دينكم" السلسلة الصحيحة 11 .و دواء هذا كله قوله صلى الله عليه و سلم: "تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله و سنتي و لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض" صحيح الجامع 2937.فهذا هو السبيل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه و سلم للخلاص من الذل.
