الميل
سعيد المودني
يسال حبر غزير، ويستهلك وقت طويل في معالجة قضايا لها أهميتها طبعا، لكن الطاعن في مصداقية مناوليها يكتسب مصداقيته -هو أيضا- من الاختلال الشنيع في ميزان التعاطي مع متضادين بحيث يكون الأكثر انتشارا منهما، والأكثر "دخالة"، والأكثر خطرا، هو الأقل حضورا في المعالجة، والأقل تعرضا للانتقاد، والأقل دراسة وتشريحا... وكأنه هو الأصل من حيث احتلال المكان أو شرعية التشريع...
إن الإنسان العادي لا يفهم كيف أن أشجارا من غابات الأمازون تشرّح لتصير أوراقا لمواضيع تتعلق بالنقاب مثلا وتزمته وانغلاقه... ولا يتعرض محرروها لخطر العري والتفسخ والانحلال والبهائمية... مع أن هذه الفئة الأخيرة هي الأكثر حضورا في الشارع(مقارنة بالمنقبات)، والأكثر إثارة للفتنة، وللجرائم الأخلاقية.
فهم يعارضون النقاب، ولا يلتفتون إلى "البيكيني"، مع أن المنقبات لهن "شبهة" تشريعية فيما يتعلق بالمرجع الأعلى المفترض للتشريع، أما الأخريات فلا يمتلكن من الأمر شيئا، اللهم ما كان من حنين إلى العصر قبل "الجلْدي" -بزعمهم-، أو تنفيذٍ لأجندة أصحاب بروتوكولات أعداء الأخلاق. توسيع الدائرة وسحب الحكم ممكن عبر إسقاط ما تم ذكره على مفهومي الأصولية والتزمت والتشدد والتطرف... من جهة، والتغريب والانسلاخ والانحلال والتفسخ... من جهة أخرى.
نعم، الغلو في كل اتجاهاته مرفوض، ولكنهما سؤالان: الأول: ما هو الغلو؟ حيث أنه يمكن أن تكون الحالة موقفا هو أدنى مراتب الالتزام، ويعتبره مغرض ما منتهى التزمت والتطرف!!
السؤال الثاني(وهو المهم): أي من الفئتين(المتزمتون أم المنسلخون) تشكل فعلا قلاقل -بل تقترف جرائم- على أرض الواقع؟؟ غير بعيد وفي نفس الحقل الدلالي، أستذكر مفارقة لا يستطيع استساغها إلا مخترعوها، ذلك أن مجال الفن لا يكاد ينفتح ولا يتسع إلا لما يتعلق بمعتقدات المسلمين، وإذا عارضت أحدهم قذفك بالتضييق على الفن الناقد للأوضاع المأساوية والتخلف الذي يتخبط فيه البلد، والذي يعتبر أول خطوة في التشخيص من أجل إيجاد الحلول والعلاجات... وهذا شيء جميل وطرح قمين بالتعاطف، بل والتبني.. لكنه ينهار من القواعد حينما ترى هؤلاء المنتجين الفنيين يتوارون خلف الحجب الإسمنتية لكي لا يقدمون رؤاهم النقدية لنفس هذا الواقع من جانبه السياسي الرديء والذي هو سبب التخلف من أصله!! أليس هذا هو مجال "النضال" الأولى؟ صحيح: حرية الفن والسينما في مناهضة "الانغلاق"، والسكوت عن الاستبداد؟!!!
في المجال "الفني" دائما لدي سؤال: هل وظيفة هذه القوة التأثيرية توصيف، بل تكريس القيم المنحطة على اعتبار أنها سائدة، أم العمل على رفع مستوى وعي المجتمع والرقي بقيمه وتهذيب ذوقه..؟؟ فقد سئل أبو تمام يوما: لم لا تكتب ما يفهم الناس؟ فأجاب: ولم لا يفهم الناس ما أكتب؟ الحري أن يأخذ المثقف بيد شعبه كي يجذبه عنده إلى العلا، رافعا مداركه ومكانته، وليس المطلوب أن ينحدر هو عنده إلى الحضيض!! مرة كنا نتذاكر أنا وصديق قديم لي يكبرني سنا سنوات معتبرة، فقال لي: لا أدري لماذا هؤلاء الشباب المستلبون يتركون لباسهم العادي ويتهافتون وراء هذا الزي الأفغاني مع أنه لا يمت لنا بصلة؟ اللباس -من حيث المبدأ- له دوران وظيفيان كونيان يتلخصان أساسا في تكييف الجسد مع المحيط الجوي من جهة، وستر مناطق من الجسم تواضع الناس -عبر شريعة أو عرف- ألا يراها كل الناس من جهة أخرى.
لكنه بعد ذلك اتخذ أبعادا أخرى عديدة، يهمنا في هذا الموقف بُعد التعبير عن الهوية الحضارية والتشبث بها، أي الاعتزاز بالانتماء. وهذا في حد ذاته شيء جيد.
غير أنه، انسجاما مع الذات وتماهيا مع الطرح، يجب أن يكون هذا الزي فعلا [يمت لنا بصلة]، وإلا فما معنى أن ترتدي ربطة عنق أو "جين" صمما في لاس فيغاس، وتنكر علي أن ألبس "قندورة" صممت في ماليزيا؟؟؟ فالزي الوطني لا يخالف أو يناقض فقط ما جاء من الشرق! بوجود مشكلتين متقابلتين، واسترجاعا للمصداقية المفقودة للأسف، وجب التعرض لهما معا بشكل متواز ومتوازن حسب نسبة الحضور والخطورة..
