عُــذراً... أبــريل لــيس كـــاذباً

عُــذراً... أبــريل لــيس كـــاذباً

الحافة حسن

 

قصة هذا الإدعاء بدأت كمُزاح في أوربا و بالضبط من بلاد الأنوار، و لأننا تعودنا أن نعتبر المُستورد ذا جودةٍ عالية.. صدقناهم. فصرنا ننتظر الأول من أبريل كي نُفبرك خدعة أو كذبة و نلصقها في هذا الشهر المسكين دون أن يكون هو قائلها، و هو منها بريء براءة الذئب من دم يوسف إبن يعقوب. توارثوها هم كشكل من المُزاح، و آخذناها نحن كشكل من تكريس سياسة الكذب المُخيمة على حياتنا، فلم نجد من شماعة سوى شهر أبريل لنلصق به تهمة تدخل صاحبها النار.

عُذرا.. فأبريل ليس كاذبا، لأن من تلبس فيه الطبيعة أبهى حُلتها، و تتزين ورود خدودها كعروس تنتظر فارس أحلامها ليخطفها بعيدا عن هذا العالم.. إستحالة أن يكون كاذبا.

لأن من تُرسل فيه الشمس خيوطها الرقيقة المُدفئة، فتتسرب كبلسم شاف يغري دورتنا الدموية بالإشتغال، و يمُدنا بطاقة الصبر لمُجارات تكالب الحياة.. قطعا لن يكون كاذبا.

لأن من يحمل حلوله بشرى للرمال على الشواطئ بأن هجــر الناس لها لن يطول، فتتلاطم الأمواج فرحا و تتراقص حبات الرمل المذهبة، لكونها ستلامس الأجساد بعد شتاءٍ ضــن علينا هذا العام بأمطاره.. أكيد لن يكون كاذبا.

لأن من يجعل الطير يُحلق في جو السماء الصافي بحثا عن الحرية المفقودة في الأرض، و يغري حبالها الصوتية بنسج تغريذاتها لتجعل الصباح جميلا و تمحوا كآبة ظلمة الليل.. فهو لن يكون كاذبا.

لأن من ينفض الرماد على غرائزنا الميتة طيلة البرودة، و يغري الحي و الميت بالتزاوج، و تتراقص على قدومه الغزلان، و تتورد فيه وجنتا الزهور، و تحمل الجداول دموعه... لن يكون كاذبا.

الكاذب، هو ذلك المسؤول الجالس خلف مكتبه المكيف، مُخفياً كرشه السمينة من عرقنا، فيرمي إبتسامة التشفي في حالنا كلما طرقنا بابه بحثا عن شفاءٍ لمعاناتنا.

من يكذب، هم حكامنا حين يلوحون بأيديهم، فنظن أنهم مشتاقون لنا، لكن هم يتوعدوننا بالمزيد من التفقير و الإستيلاب، فكم من إشارة منهم فُهمت خطأ.

البارع في الكذب هم برلمانيون يأتون سكارى للقُــبة، فيتطاير لعابهم النثن، مُكرسين نفس السياسة، لم يُغيروا شيئا، هي أوضاعهم الإجتماعية ما تغير.

الكاذبون، هم نقابيونا حين يتوعدون "الباطرونا" بشر العقاب على إستغلالهم لعرق المُياومين و الكــدح. و عند أولى خيوط الظلام يشربون نــخب غباء هذا الشعب مع نفس "الباطرونا" التي كانوا يشتمونها في الصباح.

الكاذب، هو التلفاز حين يذيع مسلسلات تافهة وينشر ثقافة "العام زين"، و عوض توعية الشعب بقضاياه، ينظم سهرات "البنذير" و "الكمانجة"، فيصبح بوقا لأولائك الكاذبون الكبار.

الكاذب، هو تلك السيدة المزينة لشفاهها بأحمر الشفاه، تذهب نهاية كل أسبوع لتبضع من أسواق باريس أو روما، و تجدها في "بلاطو" التلفاز الكاذب تذرف دموعها على نساء الجبال لعدم توفرهن على ثمن "بطانية" تقيهن برد الثلوج.. إنها دموع التماسيح.

الكاذبون في هذه البلاد هم كثر، و لن تتحمل كلمات هذا المقال على إحصائهم، وإذا أكثرنا منهم ستفر الكلمات لأنها تستحي أن تُشكل أسمائهم..فاتركوا عنكم شهر أبريل فهو لن يكون كاذبا و بارعا في الثمتيل مثلهم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة