صفاء الدين وحربائية السياسي

صفاء الدين وحربائية السياسي

عمر صديق

يمثل الدين بالنسبة للفرد هوية ومرجعا ورابطة بخالقه،كذلك مؤطرا وضابطا لعلاقته مع غيره داخل المجتمع،كما أن لبّ القضية يتمحور حول طبيعة تلك العلاقة ودرجتها سواء أكانت أسرية،مهنية،...الخ، لكن إذا ركزنا على علاقة السياسي بمن يعتقد أنهم انتخبوه و نظرته لمفهوم الدين سنجد عجائب و غرائب بلا حدود، طبعا ودون أدنى شك سينده لها الجبين.

فهناك صنف من السياسيين لطالما ألفى الدين جدارا من اسمنت مسلح،حيث فشلت كل محاولاته اليائسة في اختراقه أو الالتفاف عليه،كون الدين أصلا متكامل ولا يقبل مزايدات من أحد،فكان التوجه البديل هو الركون في هامش ما يطلق عليه بالعلمانية وبالمقابل إيداع الدين في المتحف،ثم يبدأ في التشريع و اتخاذ القرارات المصيرية بشكل ذاتي،مع إعطاء الأولوية للمصلحة الشخصية وما تبقى إن أمكن لمن يتهافتون على صناديق الاقتراع،حتى وإن أدعى البعض أن هذه المسرحية هي في سبيل خدمة الوطن،فالواقع يفند ذلك لأن هذا الأخير أي الوطن يعتبر الدين مكونا أساسيا لا نقاش فيه أو حوله،هنا يُخلق نشاز و تناقض في المشهد كله،فهل فعلا كي نخدم الوطن علينا التنكر بهذه الوضاعة لمرجعيتنا و انتمائنا ؟ ثم لما يرضى أشباه السياسيين بشبر في نفق العلمانية مقابل التخلي عن درعهم الذي يحميهم من لدغات الغرب وأشواكه السامة ؟

أما الصنف الثاني الذي سوّلت له نفسه التجرؤ على الدين جهرا، مرتكزا على حجج لا يقبلها عاقل، مفادها المساواة بين الرجل والمرأة في التوريث ثم منع تعدد الزوجات،وعندما يتحدث السياسي بهذا الخطاب ألا يرى في نفسه انه يوازي بينه و بين الخالق ؟ من أين له و لغيره الصلاحيات بتغيير ما جاء في القرآن الكريم من أحكام وشرائع، يحسدنا عليها الغير لأنها تحقق العدالة والازدهار مهما كانت الظروف،هل الغرض فعلا هو المساواة بين الذكر والأنثى ؟ بمعنى أنّ ما يقوم به الرجل هو نفسه ما على المرأة القيام به، وكذلك أن نجعل المرأة رجلا و الرجل امرأة، وبعد تحقيق هذه المعادلة المنحرفة فهل سنضمن الاستقرار الأسري ؟ من ستكون له الكلمة الأولى و الأخيرة داخل البيت حينما يرى الأبناء رجلين بشكلين مختلفين و لسان موحد ؟ لسنا نقول بكلامنا هذا أننا ضد عمل المرأة أو مشاركتها في التمنية،لكن ما نعيب عليه هو العزف على هذا الوتر الحساس مقابل جذب الانتباه والبحث عن مطبلين جدد يشجعون على هذا النمط من التفكير الذي لا يفيد إلا من ينظّر له وبكل تأكيد ستنتهي مدة صلاحيته بمجرد الجلوس على الكرسي المنشود ليل نهار.

وأخيرا الثلة الختامية التي اتخذت من الدين تجارة،أو بالأحرى فخا انساق إليه الكثير ليقينهم أن هؤلاء هم فعلا أجدر بتدبير شؤون الأمة وإنقاذها من الموت الوشيك،عبر إعطاء لكل ذي حق حقه و إرجاع الأمانات لأهلها،فمع الأسف كانت الصدمة قوية مزلزلة،لأنه من كان بالأمس فقيرا أضحى اليوم متسولا و من كان يستجدي الرخاء عاد اليوم يمسك راتبه بفكيه حتى يتم به ما تبقى من أيام الشهر المعدودة،فبدل توجيه سهام الإصلاح نحو التهرب الضريبي والفرق الصارخ في الأجور واقتصاد الريع و الرشوة...يتم إرسالها إلى ظهور المواطنين البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة،والمستغربين مما يحصل أمامهم و متسائلين هل تلك الفئة هي حقا من كانت تندد وتشجب وتطالب بمحاربة الفقر والفساد...أم كنا نحلم ؟ منتظرين بشغف تحقيق تلك الوعود المعسولة،لأنهم سئموا سماع كل يوم عن ولادة الرضع في الشوارع والأزقة والمراحيض وأمام المستشفيات بدل أن تتم العملية بداخلها،كذلك جحافل الشباب المعرض للانحراف نظرا لقلة فرص الشغل وندرة برامج الدعم الموجهة إليه،ناهيك عن التدهور المريع الذي يعرفه قطاع التعليم حيث أصبح مزودا رئيسيا للعطالة بسبب ضعف برامجه وعدم ملاءمتها مع متطلبات القرن الواحد بعد العشرين...فمن يعتبرا نفسه حرا عليه عدم الإخلاف بوعوده وإذا كان عاجزا عن الوفاء بها فليس عليه إعلانها و التطبيل لها لانّ مصالح المواطنين أمانة ثقيلة سيكلف إرجاعها لأهلها الكثير والكثير.

لا يمكن تقزيم المعضلات التي يعاني منها الوطن في مسألة تموقع الدين و المسافة بيننا و بينه عبر توازن التوريث أو إخراج المرأة الى سوق الشغل أو كذلك توظيفه قنطرة للعبور نحو كراسي الذل،بل المسألة هي أعمق من ذلك يكفي فقط النظر الى الكيفية التي اتبعتها الدول المتقدمة كي تصل الى ما هي عليه،ابتداء بإرساء مفهوم العدالة بين الجميع ولا احد فوق القانون ثم توكيل المهام العليا الى من هم متزنون نفسيا وأخلاقيا كي لا يعاني الناس من إرهاصاتهم وتكون قراراتهم مبنية على الواقع وليس أوهاما في عصر تحررت فيه الشعوب من أغلال التخلف وأصبحت تعي فعلا أين مكمن الخلل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة