قبـل أن نَنْـعى أنفسَـنــا..

قبـل أن نَنْـعى أنفسَـنــا..

محمد المهدي

 

يحكى أن (حكيما) دخل ذات ليلة على خليفةٍ أموي فوجده يستجدي جلساءه أبياتاً (يسهر!) بها،فانبرىأحد الندامى ينشد له من شعر الأحوص :

يادار عاتكة الذي أتعزّل **** حذر العدى وبه الفؤاد موكل

فأشاح الخليفة بيده تأففاً ..فتقدم آخر ينشد له من شعر جرير :

هاج الهوى لفؤادك المهتاج **** فانظر بتوضح باكر الأحداج

فلم تحرك في الخليفة شيئـأ، ثم رفع ثالث صوته منشداً من شعر المجنون :

بربك هل ضممت إليك ليلى****  قبيل الصبح أو قبلت فاها ؟

فأعرض عنه الخليفة وقد بدا عليه الضّيق الشديد..وهنا فاجأ أحدهم الحاضرين ،حينمـا قـام مختـالا ،وأنشـد –بكل جرأة ووقاحة - أبياتاً (ساقطة) لعمار بن عمرو بن عبد الأكبر الملقب بذي كبار،نستعيض عن بعض مفرداتها بنقـط ،احتراما لذوق القـراء المحترمين:

أحب منك منك منك ، مكاناً .......... **** فـ......فيه فيه فيه بمثل......

فانتفض الخليفة طرباً وانتشاء مما سمـع، وصفّـق بيديه ورجليه،آمـرا بحضور الشّرابوالقيان والدفوف، ثم طفق يردّد الأبيات تلـك حتى مطلع الفجر ..

فانبرى الحكيم إلى جانب المجلس وهو يقول في قرارة نفسه حسرة وكَمَـدا:"لقد أدركت حينذاك أن عهد بني أمية قد ولى".. وقد كان ما قال الحكيــم فعـلا!! .. (من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ـ ج 24)

أسوق هذه الواقعة من تراثنا العربي ،لأنني وجدت فيها توصيفا دقيقا لما نعيشه نحن اليوم في زماننا الأغبر هذا، الشيء قد يُؤذن بانصرام عهد ،وإطلالة عهد آخـر ..كما ندرك أيضا- دونما حاجة إلى حكمة أو بديهة- أن عهداً مغربياً قد ولى من منظور "المقياس الغنائي الطربي" ذاته الذي اعتمده الحكيم في عهد هذا الخليفة الأموي..

ففي الوقت الذي تجد فيه أن القوم - شيباً وشباباً –لا تطربهم كلمات موشح مثل "الغُصن الميّاد" أو "زمان الوصل بالأندلس" ، ولا تَهُـزُّهُـم كلمات أغنية مثل "الأطلال" أو " راحلة" أو " القمر الأحمر" أو أغنية من الأغاني الخالدات ،التي طالما أطربت المغاربة شيبا وشبابا، ولا تزال تُطرب قلّة قليلة ،ممن لايزالون يقاومون المسخ الذوقي و الهوياتي،مثلما لايزالون يديرون ظهورهم للرّداءة الفنية ،التي ما هي إلاّ تحصيل حاصل للرّداءة السياسية والفكرية والمجتمعية التي خيمت على الأمة بشكل عام..

في حين تجد - في المقابل - أن هؤلاء أنفسهم يتصايحون بجنون ،عند سماع كلمات غارقة في التّـفاهة والرّداءة بكل المقاييس،من قبيل التي طَـرب لها الخليفة الأموي ذاك.. فـاعلم آنئـذن  أن " الزمان" ماعاد "زماننا"،ولا "التاريخ التليد تاريخنا"،وعلى كل من يعنيه الأمر، أن يفسر الزمان هذا، تبعاً لما يَليـه،وأن ينظر إلى التاريخ ممـا يعنيــه ..

فلو لم يكن هنالك "سقوط ذوقي"  لما احتشدت فضاءاتنـا وفضائياتُـنا بكلماتٍ من قـاع المدينة!!..،وأضحى كل من هب ودبّ، يقتحم علينا بيوتنا دون استئذان، وبمباركة ممن وضعنا بين أيديهم أمر أمْنِـنا القِيمي والأخلاقي والذوقي، فراحوا يُمْعِنون في هدم ما تبقى لنا من متاريس وحصون ،منشغلين عنّـا بمصالحهم الخاصة ،تاركين الأمر بين يدي من لا يُهمّـه لا زماننا ولا تاريخنـا ..ولست هنا في حاجة إلى التذكير بما كان من أمر "دفاتر التحملات" التي لاكَـتْهـا أبـواق الدعاية لأمد غير قصير قصد الاستهلاك الإعلامي الفارغ،غير أن الأيام أظهرت أنها لم تكن سوى زوبعة في فنجـان،(فنجان)لم يُـؤت وزراء السيد بنكيران القدرة على حسن قراءته ،شأنه في ذلك شأن ملف رخص النقل (لكريمات) التي أزبد السيد الوزير وأرعد قبل وخلال صدورها ،متوعدا باستردادها،ومنحها لمستحقيها من المحتاجين والمعوزين،وقِس على ذلك مثيلاتها في الصيد بأعالي البحار والمقالع والضيعات ووو..تلك اللوائح التياختزلت صورة مصغرة ،عن حجم الفساد الذي يدب في الجسد المغربي وينخره من الداخل في صمت ،والتي تكشف عن حجم الفساد وشراء الذمم من قبل السلطة لسياسيين كبار، ولعائلات نهبت ومازالت تنهب المغرب..لوائح كان إخراجهاصاعقا للجميع،بما تضمنته من أسماء لأصهار الملك ولأعضاء من الأسرة الملكية، ولمستشارين للملك، ولسياسيين وضباط ومخبرين وجلادين ورياضيين وفنانين وأسر وعائلات غنية، أسماء وعائلات يدرك الجميع اليوم أنها لم تكن في حاجة إلى مثل هذه الامتيازات، وربما يكون بعضها 'تافها' تفاهة من ظل يستفيد منها خلسة مثل الثعلب الذي يدفن رأسه في التراب ،عندما يريد أن يأكل من نتانة سرقاته.. كما أن اللوائح تبعث على الاشمئزاز من هذه الأسماء"الكبيرة" التي ظلت تستفيد من امتياز تُدرك قبل غيرها أنه ليس من حقها، وأن هناك أسرا فقيرة هي في أمس الحاجة إلى تلك "العطايا" .

وقد تَوَهّمْنا آنـذاك أن السيد وزير النقل،لن يتوقف عند النشر ، وإنما سيذهب بعيدا في وقف هذا النزيف، بوضع حدّ لسياسة الامتيازات ولاقتصاد الرّيع الذي قامت وتقوم عليه الدولة!.. لكن الأمر لم يكن سوى ذرّ للرماد في العيون،أو ربما قد أملته ظرفية معينة ،واستلزمه تكتيك خاص ،لا يعلم خلفياته سوى دائرة خاصة جدا، هي بالفعل من تملك سلطة القراربَالمغرب،أو ربما قد يدخل في باب البولميك السياسي ،والدماغوجية الانتخابية، التي دأب عليها كل من تعاقب على الحكم بالمغرب ،يمينـا ويســارا.

 غير أن المشترك في هذا وذاك عنصران رئيسيان هما:

-         أولا :غياب الحد الأدنى من الوازع القيمي والأخلاقي، ابتداء من البناء الذوقي والفني،الذي هو المُعَبّـر عن روح الأمة، وانتهاء بالبناء المؤسساتي الاقتصادي والاجتماعي، الذي هو تنزيل عملي،لكل ما له علاقة بالقيم و الأخلاق والذوق ،أو لنقل بعبارة موجزة بكل ما هو إنساني محض..

-         ثانيا : الوعود الكاذبة التي أمطرنـا بها وزراء السيد بنكيران خلال الحملة الانتخابية وبعيد تشكيل الحكومة،والتي خِـلناها ـ في فترة من الفترات ـ وعودا صادقة وجديّة، تستجيب لحجم انتظارات الشعب المغربي ،وفئاته الفقيرة على الخصوص.. وعود تأسست عليها أحلام كبيرة،طال انتظارها ، وقد حان وقت تحققها على أيدي هؤلاء المنقذين الذين أتوا من القاع ، راكبين موجة الربيع العربي المبارك..

إلا أن الأحلام تحولت إلى كوابيس، والوعود انقلبت إلى غارات متتالية على من أتى بهؤلاء، فكان ردّ الجميل بأحسن ما يردّ الجميل،زيادات في كل المواد ،تضييق على الحريات،تراجع عن المكتسبات،وتنكر لكل الوعود والتعهـدات ،وتحولت محاربة الفقر إلى حرب على الفقراء،ومحاربة الفساد إلى تطبيع وتسامح معه،وتعايش مع التماسيح والعفاريت،التي عاثت وتعيث فسادا في كل تفاصيل الحياة ..فساد، بلإفســاد ،لم يسلم منه الذوق العـام للأمة،حتى أصبحنا جميعنا لا نكاد نفرق بين الرفيع والوضيع،لا في الفن و لا في السياسة ، ولا في أي من مناحي الحياة.. فأثرى مروجوا الوضاعة والإسفاف من المغنين والساسة وباعة الأحــلام،واحتلوا المنابر والفضائيات وتزاحموا على أبواب الدعاية والإعـلام ، وكل ما قد يوصل إلى أذهان النّــاس ، شعارهـم في ذلك "الجمهور عَـايِـز كيده" على حد قول إخواننا المصريين. بينما انبرى بُـناة الوطن وشرفاؤه إلى الخلف ،إما عن طواعية بعدما وصلوا إلى حالةمن اليأس في شأن انبعاث الأمة،أو كَـرها ،بعدما حوربوا وحوصِروا أينما حلّوا وارتحلوا،فآثروا الابتعاد عن الوطنمُرغَـمين،واضعين عُصارة تجربتهم بين أيدي شعوب ،يبحث حكامها فعلا عن كل ما ينفع شعوبهم وأوطانهم..رحل هؤلاء،لأن كلامهم لم يطرب لـه أشباه الخليفة الأمـوي ذاك،لأنهم اعتادوا ألا يطربوا إلا لكل منحط، وألا يُنصتوا إلا لأنفسهـم..

 

فليسعـد شاعر عمار بن عمرو صاحب (أحبُّ منكٍ منك منك..) في قبـره،فقـد أنجـب زماننا هذا تلاميذ له ،يحملون معاولـه ذاتها ،هـدما للـقيم ومَسخـا لهوية الأمـة..وليحزن ـ قبل فوات الأوان ـ من هُـم في مَقـام (الخليفة المذكور) إعراضا عن رفيع الكلام ، وصدق المَـرام ..وليتأهب حكيم من حكمائنا ـ إن لم نتدارك الأمر ـ ليَصيغ لنـا خبر نَعْينـا، ونحن في فورة إعجابنـا بأنفسنـا ،مشيرا بالبَنان إلى تماسيحنا وعفاريتنا الظاهرة و الباطنة،وهو يـرددّ ما قالـه الحكيم ذاك " علمت أن أمرهم قد ولّــى".

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة