أطبق فمك فأنت يوسفي إرهابي
نورالدين الطويليع
قدرك أيها اليوسفي أن تعيش أبد الدهر بين الحفر، قدرك المقدر الذي لا راد له أن تعيش على هامش الوطن، وأن تصادر أحلامك في العيش الكريم، وفي غد مشرق وضاء ينسخ بانبلاج صبحه المنتظر دياجير ليل طال واسود جانبه، وربما يكون قيام الساعة وحده موعد التخلص منه، حينما نستفيق جميعا من سباتنا العميق على نفخة الصور المدوية.
لك أن تشاهد بأم عينيك أيها اليوسفي عبث رئاسة مجلسك الحضري بشأنك المحلي، لك أن تسمع أذنيك ما جد في عالم تفويت الصفقات التي تبيض الذهب والفضة، دون أن تمني النفس بأن يكون لك نصيب منها، ولك أن تنكر هذا المنكر فقط بقلبك حين تغلق عليك أبواب منزلك ونوافذه، وتغلق جهازي الحاسوب والتلفاز، وتطفئ الأنوار، وتخلو إلى نفسك بعيدا عن العيال لتقوم همسا، وأنت تخافت بمناجاتك: اللهم إن هذا منكر، وتفرغ جام غضبك على كائنات انتخابية عثت في الأرض فسادا... لا تأل حينها من إفراغ سلة حنقك واحتقانك بمعجم الحرب والسجال، ومختلف ألفاظ الشتم والسباب عليها، وبعد أن تكون أشفيت الغليل بهذا الفتح المبين، وهذه المواجهة البطولية، استسلم للنوم الثقيل العميق، لكن لا تنس قبل أن تغادر منزلك في الصباح أن تغتسل من الجرم الذي أجرمته، ومن ردتك عن دينهم الذي كفرت به، مضمض فمك سبعا حتى لا يحتفظ بشوائب الليل، وتأكد من إزالتها جميعها، حتى لا تفاجئك إحداها، وأنت تتحدث إلى هذا أو ذاك، بالخروج دون إذن منك، فيحملها المخبرون وناقلوا الأخبار على جناح السرعة إلى من أسأت إليهم بغزوتك الليلية، فيؤاخذونك بزلة لسانك هذه، بما يفسد عليك طقس الطأطأة والانحناء، انحناء الضرورة الذي أملاه واقع قال عنه الشاعر:
هذا زمن القرود فاخضع لها//// وكن لها سامعا ومطيعا
وقال عنه المثل العربي: اليد التي لا تستطيع كسرها، قبلها وادع على صاحبها بالكسر"، هذا أن أردت السلامة والنجاة، والدخول في قائمة الراضين المرضيين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون من إقصاء وحرمان من خدمات بسيطة ضمنها لك انتماؤك لهذا الوطن، وحجرت عليها هذه الكائنات، مقيدة إياها بتقديم القرابين، وأداء طقوس الخضوع، ولتضع في حسبانك، إن أنت نطقت وتكلمت، أنهم سيرمونك بتهمة الإرهاب، ويعتبرونك إرهابيا يهدد أمن الوطن، ويسارعون بأدواتهم الجازمة إلى وضعك على رأس اللائحة السوداء، باعتبارك رجل فتنة، يحرض على الكراهية، ويبخس الإنجازات، ويراود النائمين المطمئنين على اليقظة، ويجيش الطوابير الخامسة ليزرع في أوساطها الغضب والاحتقان، في مسعى منهم لتقديم أنفسهم كضحايا لعدوانك من أجل التغطية على إرهابهم الحقيقي المنتهك لحرمة المال العام.
لك أن أن تقرأ عبر الصحف، وأن تشاهد عن طريق المواقع الإلكترونية، ياحبيبي، أخبار الندوات والمحاضرات والأيام الدراسية والوقفات الاحتجاجية والمسيرات والعرائض بمختلف مدن المملكة تحت عنوان دق ناقوس الخطر من سكتة قلبية جديدة محتملة، والتحذير من السياسة الحكومية، دون أن تجد من يتابع كوادرها المؤطرة لها ومسيريها بتهم المروق وتهديد سلم الوطن واستقراره، ودون أن تجد من يصدر في حقها فتاوى التكفير السياسي، ستسمع فقط أنهم كرموا هناك وهناك، ونالوا جوائز داخل وخارج الحدود كمكافأة لهم على يقظتهم وغيرتهم الوطنية
لكن ما دمت ابن يتيمة المدائن، فالأمر مختلف، جرب أن تقدم على خطوة من هذا القبيل، وسترى كيف تنثال عليك النبال انثيالا، وتصوب نحوك قنابل عنقودية من وراء جدر، وتحرض عليك الأجهزة التي يبدو أنها صارت أكثر رزانة واتزانا من "شخصيات مدنية" لو خلي بينها وبين اتخاذ القرار الأمني لزجت بنصف المدينة في السجن، ولعرضت الرؤوس المدبرة لفعل الإزعاج والتشويش على حبل المشنقة دون تردد.
إننا والحالة هذه أمام احتمالين لا ثالث لهما: فإما أن مدينتك ، سيدي، تعتبر استثناء، وتتميز عن كل مدن المملكة بمؤشر تنمية في قمة الارتفاع، وبمشاريع متفردة، وبالتالي لا يحق لك أن تفتح فمك إلا في مكان واحد، حينما تكون بين يدي طبيب الأسنان، وإما لأنك، أيها اليوسفي، إرهابي بالفطرة، ما يصدر عنك من قول أو فعل، أو غمز أو لمز إلا بدافع إرهابي تخريبي، وبالتالي فأنت مدان حتى تثبت براءتك، ولن تثبت هذه البراءة، لأن وراءك وعن يمينك وعن شمالك كتبة اختصوا في قراءة كل شيء، وأفلحوا في صنع قالب الإرهاب القادر على احتضان حركاتك وسكناتك... ستجد إن أنت تكلمت، أو رسمت، أو غنيت، أو كتبت... ابن عمك، وابن جيرانك، وابن حيك، وطائفة من أبناء مدينتك حاملين معاولهم للانقضاض عليك وتصفيتك سياسيا واجتماعيا وثقافيا، فآثر السلامة، وامنع نفسك أن تحدثك بعدم القعود مع الخوالف، وإن غالبتك بطائف الحديث والحركة، وعجزت عن تقييدها وشدها إلى الأرض، فاخرج ـ وأنا لك من الناصحين ـ إلى أي مدينة شئت داخل تراب وطنك لتمارس طقوسك النضالية بكل حرية، وأنت مقفل امح من ذاكرتك طائفك هذا على أعتاب يتيمة المدائن، واطرق أبوابها بسكينة وطأطأة وخضوع وانحناء.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
المقالات الأكثر مشاهدة
6073 مشاهدة
1
758 مشاهدة
6
