حول مسألة حدود حرية حركية المرأة_الجزء الرابع\الأخير

حول مسألة حدود حرية حركية المرأة_الجزء الرابع\الأخير

سعيد المودني

 

ما الصواب إذن؟ ولماذا تخرج المرأة للعمل؟

إن العمل شيء وظيفي يمارسه الإنسان أساسا لتلبية حاجاته، وللرفع من مستوى الأداء أثناء هذه الممارسة تتجه كل فئة -حتى من نفس الجنس- إلى القيام بدور معين حسب القدرات البدنية والفيزيولوجية والذهنية، والميول العاطفية، والحالة النفسية، والاستعداد الفطري، وقوة التحمل... وغير ذلك من العوامل المميزة بين الأفراد. فكل فرد يؤدي مهمة معينة تتماشى مع مميزاته السابقة ولا تقل قدرا عن مهمة أي فرد آخر: كل ميسر لما خلق له، كما ورد في الأثر. وبما أن الفوارق في تلك المتغيرات السالفة الذكر هي أكبر وأوضح بين الجنسين، فإن الوظيفة تكون أكثر اختلافا بينهما وأكثر انسجاما مع صفات كل منهما، طبعا مع عدم التفاضل إطلاقا بين الوظيفتين.. فتكون وظيفة الرجل السعي وراء الرزق في الخارج، وتكون وظيفة المرأة رعاية شؤون المنزل، والحفاظ على مكتسباته، وتربية وإعداد الأجيال...

واستكمالا للطرح، واحتكاما إلى هيمنة القاعدة والاستثناء السائدة في الوجود، فإن القاعدة تكون ألا تخرج المرأة، والاستثناء يكون أن تخرج للضرورة -وبضوابط شرعية- تقدر (الضرورة) بقدرها، كما يقول الفقهاء. وحتى في حالات الاستثناء تلك فإن المرأة لا تخرج للعمل في إطار الندية، أو العصرنة والموضة، أو الاستقلالية...، بل تخرج إما لتحصيل الرزق، مع أن إعالتها واجبة دائما على وليها، بنتا كانت أو زوجة أو أما أو أختا أو مواطنة، أو لأداء وظيفة لا تليق بالرجال كتطبيب النساء...، ويضاف إلى هذين الاستثناءين حالات الطوارئ كحالات الحروب وفقدان العمال دون إمكانية للتعويض...

في إطار المكابرة والعناد، قد تطرح مسألة إمكانية ربط المرأة لعلاقة غير شرعية حتى حال بقائها في المنزل وحيدة، أو حال خروجها "الهاوي\العرضي" عند الجيران أو العائلة...، والجواب أنه تفاديا للدخول في متاهات هذه الجدليات عبر البحث عن الوضعية التي لا يمكن للمرأة فيها أن تربط مثل هذه العلاقات، ومدى إمكانية وجود هذه الوضعية فعلا على أرض الواقع، تفاديا لهذا كله إذن، نكتفي بما شرعه الله الخالق، العالم بنفسية الخلق وأوضاعهم.. فهو سبحانه قد جعل قيودا وضوابط على حركية المرأة يجب التقيد بها وكفى، حيث أن جدال الانسجام والمنطق والعدل والحرية والإمكانية في هذا الصدد... ينطبق عليه قول الله تعالى: {إن الله يحكم ما يريد}. ثم إن الخروج "الاحترافي"، مع تكراره عبر مر الزمن، يمكّن من نسج علاقات اجتماعية يمكن أن تستغل في أي اتجاه، خصوصا وأن "المحترفة" تلك تكون لها رزنامة زمنية تبرر لها أوقات الغياب، بكل حال، بشكل يومي.

مسألة أخرى تثار لمن يجعل القاعدة خروج المرأة للعمل: إذن تتولى المرأة جميع المناصب: التعليم والدرك والجمارك والجندية والقضاء والمقالع والواد الحار ورئاسة الدول وإمامة المصلين والوعظ وتطويف الحجاج، والصلاة في صفوف الرجال واستعمال نفس المراحيض والوقوف في نفس الصف لأداء الفواتير... لأنه إما ندية ومساواة، أو إنصاف وخصوصية، ولا ننتقي ما يعجبنا من اليهودية والمسيحية والبوذية والهندوسية والإسلام... ولا يملك أحد أصلا الصلاحية لتحديد مجال دون آخر بمزاجه الشخصي ودون الاستناد إلى مرجعية يقبلها الناس، والخضوع لمرجعية معينة لتحديد تلك المجالات يفرض الخضوع لها(المرجعية) في كليتها.

إن المتأمل المنصف لا يحتاج بذل الكثير من الجهد ليدرك أن المسألة ليست عصرنة ومدنية وتحضرا، أو حاجة المرأة أو المجتمع، وإلا فلم هذا الجنون في التسابق في العري والتعري المطلقين؟ بل ما هي دواعي ومبررات هذا العراء؟ وهل من حد له؟ وأين يمكن أن يصل؟...

هذا التنافس الجنوني في احتلال الريادة في العري يظهر بجلاء عند استعراض زمني بسيط وقريب للباسي الجنسين. فعلى سبيل المثال كان رواد الشواطئ من الرجال فيما مضى يسبحون بالتبابين، وها هم اليوم كلهم يسبحون بالسراويل القصار، أما النساء فلم يكن يلجن مياه الشواطئ أصلا، فولجنه بملابسهن ثم خففن منها وقزمن، ثم قزمن، ثم قزمن.. حتى أصبحت مثلثا متساوي الأضلاع بطول بضع سنتيمرات، لا يكاد يغطي فتحة الفرج بالأحرى منبت الشعر، محمولا من زواياه بثلاثة خيوط رفيعة، وفي الأعلى قرصان كعدستي النظارات الصحية!!..

سراويل لاعبي كرة القدم من الثمانيات إلى الآن زيد في طولها وعرضها حتى وصلت الركبة وصارت فضفاضة، وأزياء الرياضيات ملتصقات بجسدهن كأنها صباغة، واجتزئ منها حتى أظهرت أغلظ المغلظات من العورات(المقارنة تكون أبلغ بين زيي العدائين والعداءات، مع أنه نفس الميدان والتخصص). وهذه المزايدة المتسارعة المتطرفة في الكشف والوصف للتعرية هي الاتجاه العام في كل الملابس.

ولأجرأة هذا السباق وتحقيق أهدافه، تم اللجوء إلى تقنية التفجير من الداخل أو التخريب الذاتي، وهي آخر اختراع في ترسانة أسلحة التخريب الكامل المندرج في إطار السباق المنفرد نحو التفسخ، ذلك أنه يكفيه إيجابية أنه يجعل الضعيف المستلَب ينتحر بسلاحه(الذي أدى ثمنه مضاعفا للقوي) دون أن يجعل القوي يكلف نفسه عناء حركة أو خسارة رصاصة، على زهادة قيمتها وأهمية الهدف المحقق. والتفجير هنا هو احتواء موجة "الحجاب" -ما لم يمكن وقفها- عبر طرح وترويج وتشجيع موضة حجاب "اقرأ\روتانا" أو "طالبان\مريكان".. وإذا كان المصمم\المنتج يعلم ما يريد ويخطط له باقتدار وعزيمة وإحكام، فإن سلوك المستهلك\المدمَّر، عدا مسألة التقليد الأعمى الكلاسيكية، لا يمكن أن يفسر إلا أحد التفسيرين، وكل واحد أقبح وأفدح وأخبث من الآخر: إما أنه تحايل على الله جل علاه، أو أنه تهكم عليه سبحانه وتعالى،، وكلتا الحالتين تتناقضان مع مقتضى الألوهية، وتنمّان من جهة على سطحية واهتزاز عقيدة سالك السلوك، ومن جهة أخرى على سذاجته وضحالة فكره.

إن انفتاح هذا الأفق المجهول، بفعل ترويج العملاء المتاجرين وتبعية السذج الغافلين، وصل بالمسلمة إلى الخروج شبه مكسية لساعات، بل وأيام وشهور وأعوام طوال، دون حسيب ولا رقيب، بحجة المدنية والتطور والانفتاح والتمدن، وأن من يريد أن يحافظ على شرفه لا يحتاج إلى مراقبة.. استخفاف بعقول الناس.. ويذكرني هذا بأضحوكة بعض نقاد المجتمع الذين يرمون اللوم على الشعب المتخلف الأمي الجاهل الكسول المخرِّب المغرَّب الراشي المرتشي الغشاش... وكأن ملائكة تعيش على الأرض، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.!

إن الناس خلقوا من مادة وروح، تتنازعهم دعوات الخير والشر، ويتأثرون بالترغيب والترهيب، ووكل بهم ملك وشيطان، لذا وجب الضبط، فشُرعت الشرائع، وسُنت القوانين، وأُسست الدول، وجُعلت الشُّرط، ونُصب القضاة، وبنيت السجون... فلو كان الناس قادرون على ضبط أنفسهم بأنفسهم من تلقاء ذاتهم لحُلت كل هذه المؤسسات، وربحنا المصاريف الطائلة التي تقتطع من مداخيلنا لتصرف عليها.

إن أَولى ما يقتضي الإخلاص هو العبادة، ومع ذلك لم يكتف الله جل وعلا بالتهديد بالعذاب الأخروي، بل جعل عقوبات تعزيرات وحدودا في الدين حتى على ترك الصلاة الذي لا يضر، ظاهريا، أحدا.

إن الدول الصاعدة حاليا لم ترم شعوبها العريقة في البحر وتستورد شعوبا أخرى ليتأتى لها هذا الصعود الصاروخي المفاجئ، وإنما أُلقي بقيادتها المشبوهة المشوّهة في مزبلة التاريخ وجيء بريادة وطنية حقيقية بديلة.

كفى لمنع خروج المرأة إلى العمل -بإطلاق- أسبابا هذه المفاسد..

صحيح أن عمل المرأة تستلزمه أحيانا إكراهات موضوعية، لكن عمل الكثير من النساء هو شكلي و"ترفي" ومستنزف(أسر يعمل ذكورها وإناثها، آباؤها وأبناؤها، متزوجوها وعزابها، محتاجوها وأثرياؤها...، وأخرى لا يعمل حتى ربها)..

إن الإشكال في أصله مفتعل، غير أنه صار معقدا متشعبا بنيويا.. والخطاب هذا تنظيري عام موجه للمجتمع في كليته، فهو يخاطب الضمير الجمعي، وعليه فإن حل المعضلة لن يكون بحال آنيا وفرديا إلا في حدوده الدنيا..

هذا تغريد خارج السرب، أعلم، وأعلم أن هذه سباحة ضد التيار، وأعلم أن هذا لا يكاد يعجب إلا كاتبه، وأعلم صعوبة تطبيقه لوجود مصالح ذاتية وضغوطات خارجية، وأيضا لأنه يعتبر بمثابة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.. لكني أعلم أيضا أن كل الأفكار تولد مفردة، وأعلم أن الأكثرية وردت في القرآن الكريم مقرونة دائما بالشر، والخير ورد دائما مقرونا بالأقلية، وأعلم أنه لو كانت الأغلبية على حق لكان الكوكب جنة، كما أعلم أن الحق ما قوي دليله وليس ما كثر قائله، وأعلم أن الحق كالدواء لا يعجب -مع فائدته- لأنه مر المذاق، وأعلم أن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وأعلم أن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة، وأعلم أن الاعتراف بالخطأ فضيلة وهو الأساس في التصويب...

كانت هذه نظرة أحسبها مبنية، متراصة، ممنطقة، وعلى من يرى العكس أن يثبته بمقارعة الأفكار، ومناطحة الحجج، ومجابهة الاستدلال والاستنتاج، بأسلوب لائق، بعيدا عن الوقاحة والحنق والتحامل والسب والشتم. أقول هذا من جهة ردا على بعض التعليقات المتحاملة الفاقد أصحابها لأدنى معايير اللياقة، المتواري محرروها الجبناء خلف أسماء مستعارة، والتي لا تمت بتاتا ولو في الحدود الدنيا لمناقشة مضامين الموضوع.. ومن جهة أخرى لأنها سبق أن مرت أمامي تجربة في مقر عملي، كان أحدهم قد رأى مثلما رأيت الآن، فثارت ثائرة بعض المثقفات ولم يجدن من منفس عن أضغانهن إلا القدح والسب والشتم، غير مكلفات أنفسهن استثمار مستواهن التعليمي المفترض في نقد المقال بعلمية وحرفية، وتؤدة وروية، وسمو وتعال ورفعة، وردّ ما قد يكون ورد فيه من أخطاء أو مغالطات أو تلبيسات مفترضة، بعيدا عن اللغط والسماجة والعنف اللفظي والتلوث السمعي، لأن موقفا كهذا(لم يتم التجاهل ترفعا، ولم يتم النقد الرصين بحثا عن الخطأ والصواب) لا يحتمل إلا إحدى الدلالتين: إما أن الطرح سليم لا يمكن نقضه، وإنما فقط لا يعجب، والحالة هذه يلوم الإنسان نفسه التي عودته الإعجاب بالخطأ بدل الصواب، وهذه مصيبة، وإما أن المنتقد(ولا أقول الناقد المرحب به دائما) لا يمتلك الأخلاق ولا آليات النقد الأدبي ولا المنطقي المتزن الرصين الراقي، وهنا، مع المستوى المعبر عنه المؤطر أكاديميا، وهنا تكون المصيبة أعظم.

 

إننا لا نلوم الغربيات لأنهن منسجمات مع عقيدتهن، يفعلن ما يؤمن به. أما أن تكون مسلما فالإسلام وحدة واحدة وكل لا يتجزأ، ولا يجوز الإيمان بالبعض والكفر بالبعض الآخر، وعلى الأقل لا تقترف كفر ملة(إنكار أحكام مجمع عليها) بل كفر نعمة: أن يقول المسلم: نعم هذا من أحكام الشرع أؤمن به، لكن لا أستطيع القيام به حاليا، وأسأل الله العفو والصفح والتوبة في القريب العاجل. وليس كل ما لا يعجب الإنسان فهو غير موجود، أو غير صحيح، يعادي -دون سند- من يقول به ولو كان على حق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة