الدولة الدينية الإسلامية والدولة القومية العربية..محاولة فهم
عبدالسلام المساتي
يقول الدكتور القومي المرحوم محمد عابد الجابري :"...يمكن القول بدون تردد أننا لم نشعر يوما، نحن المغاربة، بأن هناك فرق بين العروبة و الإسلام...لعلكم تتساءلون لماذا يستجيب المغاربة هذا النوع من الاستجابة الباردة السلبية لقضية تعتبر في الشرق قضية أساسية.."
كلمات الجابري هاته هي التي جعلتني أقرر الكتابة في هذا الموضوع الذي بالفعل لا نعطيه أدنى أهمية بمغربنا، فلم يسبق لي أن قرأت لكاتب مغربي(باستثناء الجابري) أو حضرت ندوة علمية تناقش موضوع علاقة الإسلام بالعروبة أو أيهما يجب أن يكون أولا و أيهما يجب أن يكون ثانيا ، ولكننا بالمقابل نعطي أهمية لموضوع الإسلام منفردا أو العروبة منفردة .هذا أللاهتمام ،كما يقول الجابري، هو نتيجة لغياب المشكل بين ثنائية العروبة و الإسلام بهذا البلد ،أي أنهما يتعايشان بطريقة مسلم بها و دون أدنى اصطدام على مدى القرون الماضية .غياب هذا المشكل هو نتيجة أيضا لغياب التركيب الديني، فالإسلام استطاع أن يوحد كل المغاربة بالرغم من الاختلاف الاجتماعي واللغوي، حتى أن التيار الأمازيغي لسنوات و هو يطالب بترسيم لغته و إقرار حقوق المواطن الأمازيغي لكنه يفعل ذلك داخل إطار الإسلام ، أي بالاعتبار أن الدولة المغربية دولة مسلمة إسلامية... وهذا هو ما يفسر صرخة ناشط الأمازيغي مؤخرا "أشهد أن محمدا رسول الله و أن العربي عدو الله "، إذن فالدين جمع بين العربي و الأمازيغي و أطر صراعهما، فلا يحق للمغربي العربي أن يقول أن المملكة المغربية مملكة عربية ولا يحق للأمازيغي أن يقول أنها مملكة أمازيغية..نحن مضطرين أن يكون الإسلام هو الأساس أي أننا نعطي للدولة بعدا دينيا دون أن تكون دولة دينية بالمعنى المتعارف عليه..إن كون أمير المؤمنين هو رئيس الدولة أمر ساهم في تجاوز مشكل ثنائية الإسلام والعروبة، و أعطى للمواطنة تعريفا مرتبطا بالإسلام أولا وليس بالعروبة .
يحدث هذا بالمغرب لكن إن ما نحن انتقلنا إلى أرض الكنانة مصر سنجد الأمر مختلفا تماما ، فهناك تطرح قضية الإسلام والعروبة بقوة، ليس باعتبارها قضية راهنة بل قضية تعود جذورها إلى فترة الحكم الإسلامي العثماني الذي حاول أن ينهج سياسة التتريك فقامت حركات قومية عربية طالبت بالعروبة وبالاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية ،ومؤكدة على ضرورة الحفاظ على الكيان العربي لغة و تراثا ..
انتهى التواجد العثماني بمصر ولكن لم ينتهي نقاش علاقة العروبة بالإسلام و أيهما الأحق بالأسبقية ،خاصة مع ظهور أحزاب ذات مرجعية إسلامية تطالب بالدولة الدينية القائمة على أسس الشريعة الإسلامية و الرافعة لشعار "الإسلام هو الحل " مصطدمة بذلك مع القوى العلمانية و الأهم من ذلك أنها تصطدم بالأقباط الذين يشكلون نسبة مهمة من النسيج المجتمعي والسياسي بمصر .أي أن الحديث عن الدولة الدينية الإسلامية فيه نوع من الدعوة إلى المواجهة،( ليست بالعنيفة من الضرورة )، فليس للقبطي أن يلتزم أو يقبل بالعيش تحت راية الدولة الإسلامية بمعناها العميق، تلك الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية والتي تجبر غير المسلم على دفع "الجزية "!! يحدث هذا في وقت تعالت فيه أصوات بعض القبطيين والعلمانيين داعية ومطالبة بترشح "قبطي" لرئاسة مصر! لذلك فالصحيح في حالة مصر هو الحديث عن الدولة القومية ، الدولة العربية المدنية التي لا تنتبه للفرق بين المسلم و المسيحي القبطي ،ففصل الدين عن الدولة هو ضرورة ملحة بمصر حتى يتم تجنيب الدولة عقودا أخرى من الصراعات الجوفاء التي لا تخدم الديمقراطية في شيء...فالمواطنة هناك يجب أن تقترن بالعروبة و ليس بالإسلام .
ما أريد قوله هو أننا نحن هنا بالمغرب نحتاج لدولة ذات بعد ديني وهم هناك بمصر يحتاجون لدولة قومية عربية علمانية..بهذا المفهوم يصير مستحيلا أن نتحدث عن الوحدة العربية أو ما يحب البعض تسميته " الجمهورية العربية المتحدة" لأن ما يصلح لهم بالشرق لا يصلح لنا بالمغرب الكبير، أي أنه قد نتحدث عن الجمهورية العربية ولكن محددة في مصر، سوريا ، لبنان ويمكن أن نضيف فلسطين. وبالمقابل يمكن الحديث عن الجمهورية الإسلامية الكبيرة و نحددها في المغرب ،الجزائر ،تونس ،ليبيا ،موريتانيا، إيران، أفغانستان ،وباكستان...أقصد كل الدول التي لا تتواجد بها أقليات دينية أخرى .
لم أتحدث عن دول شبه الجزيرة العربية والحجاز لأنها الوحيدة التي يصح تسميتها بالدول العربية الإسلامية بالنظر إلى كون أن الأقليات هناك تكاد تكون منعدمة ، فنظريا يمكن أن تكون هذه المنطقة هي منطلق الجمهورية الإسلامية العربية، ولكن سياسيا يستحيل أن يحدث هذا.
