النخبة السياسية المنفصلة عن الواقع
عمر صديق
السياسي بغض النظر عن توجهه وتكوينه، هو الشخص المفوض له من طرف الشعب بإيجاد حلول للمشاكل التي يعاني منها، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو حتى دبلوماسية...، ثم هو المكلف بإعداد باقي المواطنين و المواطنات وتأهيلهم لخوض غمار تدبير الشأن العام مستقبلا، من هنا نفهم أن السياسي خُلق للوطن و به يرتبط وعليه يغار ومن أجله يضحي بالغالي والنفيس، لكن هل رُزقت بلادي بمثل هكذا سياسيين ؟
مع الأسف، لم يبق من رجل السياسية إلا الاسم،وبدل أن يكون مثالا في التنوير و ثبات الرأي ونموذجا في العطاء و حل الأزمات،أصبح مدعاة للسخرية و أضحى الكل يتبرأ منه،وفي خرجاته الإعلامية لم يعد يقدم في خطابه إلا التفاهات بنكهة السفاهة،بينما في الكوكب الأخر البعيد هناك وطن يضم شعبا له ما يكفي من الانتظارات والتطلعات التي هي حقوق أصلا،كالعيش الكريم والتمتع بخيرات البلاد،ثم رؤية فلذات الأكباد ينعمون بتعليم نافع وشباب في شغل لائق وصحة للجميع، حيث تعتقد معظم فئات الشعب أن مسألة الهرولة نحو صناديق الاقتراع كفيلة بتحقيق الأماني على يد أشخاص رشوا ألسنتهم بالعسل في حقبة الهلوسة الدعائية لاعبين على أوتار حساسة بغرض جذب اكبر عدد من المصوتين،فإن كانوا هم بأنفسهم لا يملكون حلولا لمشاكلهم الخاصة،فكيف سيحررون البلاد من الاستعمار المتجدد،الذي يتم تحيينه كل مرة عبر اتفاقيات مشبوهة تضع مصالح البلاد أسفلا ومصالح غيرنا هي الأعلى،حتى أن أعداءنا في الخارج يترصدون بنا منتظرين أي هفوة لينقضوا علينا،في حين أن من اختارهم الشعب للدفاع عن البلاد وخدمتها،منهمكون بكل وقاحة في عالمهم الخاص،وهمهم الوحيد هو التصارع كصراع الديكة حول المناصب والمراتب،ثم تقاسم النفوذ هنا و هناك،كذلك تثبيت الموالين لهم في مناصب عليا وتزكيتهم قدر الإمكان عن المتابعات القضائية، ناهيك عن القطاعات الحساسة التي يحرمونها من الكوادر ذات الكفاءة العالية القادرة على العطاء و يلجؤون في المقابل إلى توظيفات قبلية تحت غطاء الزبونية والمحسوبية،فنرى و نسمع عن اختلالات تدبيرية...انتكاسات في حق المواطنين الضعفاء، ولا حديث عن التنمية المستدامة فقط نشر للديماغوجية،فبعد كل هذا فما الفائدة التي ترجى من السياسي ؟ و ما هو دوره أصلا إن كان كل ما يقوم به يصب في واد غير واد ازدهار البلاد و الرأفة بالعباد ؟
ستبقى عديد من تساؤلاتنا بلا أجوبة ،عن ماهية السياسي ودوره في ظل الأوضاع الراهنة التي تعرفها البلاد والتغيرات الإقليمية،لذا ينبغي عليه التوقف عن الأنانية والتبختر بالدفاع عن المصالح الشخصية والدعاية لجماعته،والالتفات طبعا نحو مصالح المواطنين الذين عقدوا عليه آمالهم في غذ أفضل،فلا حاجة لهم بكثرة الغوغائية الفارغة بقدر تعطشهم إلى إجراءات ملموسة في واقعهم المعاش،ثم كذلك المساهمة ككل في الحفاظ على تماسك البلاد واتخاذ خطوات استباقية و هجومية ضد كل من سولت له نفسه المساس بها،ولتحقيق كل هذا لابد من التحلي بالشجاعة وكاريزمة قادرة على اجثتات الفساد وإحلال العدالة،فصبر جميل إلى حين ظهور من يملك هاته المواصفات.
