مدرسة العبث

مدرسة العبث

عبدالسلام المساتي

 

لم يكن لمدرستي اسم  رسمي ،ربما كان بأوراقهم فقط ،لم يكن مخطوطا على باب المدرسة ولا على جدرانها أي اسم . كانوا وكنا نسميها "مدرسة دلم الحانوت" دون أن أدري ما معناه ولا بأي لغة هو منطوق، تقع على بعد خمسين مترا من المسجد و ثلاثين مترا من حانوت عمي عبدالرحمن...لا أسوار تحيط بها ، شيء كالطريق يفصل بين الأقسام الخمسة ،وساحة صغيرة تصلح لكل شيء حتى للبول و الخراء. كان بمدرستي مطعم أيضا يقدم وجبة السردين يومي الأربعاء والجمعة ،ويقدم العدس بباقي الأيام، لم يسبق لي أن ولجته لأن أمي كانت توصيني دائما بألا آكل هناك حتى لا أصاب بضرر..لا أحد من أصدقائي أصيب بضرر رغم أنهم كانوا يلجون المطعم كل يوم، تقوت أجسادهم و بقيت أن نحيلا بعدما أصابني مرض بالكلي .لم آكل فمرضت، أكلوا فتقووا..مرضت فرسبت بالسنة الثانية ...تعلمت أن الجوع سبب الأمراض وسبب الفشل...!لن أسكت عن الجوع، سأحتج لآكل...

كان بمدرستي ست معلمين ،خمسة منهم مستوردين من فاس،والآخر مستورد من خنيفرة. هذا الخنيفري كانت ملامح وجهه قاسية كقسوة الجو بمدينته، يحلق لحيته كل جمعة فيبدو وسيما دون أن تختفي ملامح القسوة ،يحدثنا عن نفسه وحياته أكثر من تعليمنا أبجديات اللغة الفرنسية التي يجيدها كما يجيد الرياضيات . أدركنا من حديثه المتكرر عن نفسه أن حاصل على الإجازة في علم ما من جامعة ما وكان يحلم بأن يشتغل كمدرس بالثانوية لكنهم طلبوا منه رشوة  سمينة لتشغيله بالثانوية .لم نسأله من طلب منه هذه الرشوة لأننا لم نكن نفهم ما يعنيه .يحقد عليهم ، أحيانا يشتم أصلهم و أمهم و أحيانا يصفهم بالكلاب...لم يكن يجبرنا على جلب البيض و الخضر له،ويكتفي بإجبارنا على ملء قنينات الماء من بئر يقع وسط المسجد القريب،كنا نملؤها ونحملها إلى غرفته الصغيرة التي منحته إياها وزارة التعليم، كانت غرفة مظلمة جدا لذلك لم أستطع في يوم أن أميز ما بداخلها...نضع القنينات أمام الباب وننقلب عائدين فيأتينا صوته هادئا يقول ":فان كيو" ندير وجوهنا صوبه فنجد أن ملامح القسوة اختفت عن وجهه..فنتأكد أن تلك "الفانكيو" تعني شيئا ما مفرحا..

لاحقا أدركنا أنها "ثانكيو" التي كنا نعلم أنها تعني شكرا التي لم نعتد على سماعها من أحد ،كنا في نظر معلمينا و أبائنا مجرد أطفال مختصرين في كلمة" براهش" نصلح فقط لتلبية أشيائهم و طلباتهم.

الدروس بمدرستي لم تكن دروسا ،كانت جحيما بالنسبة لي أنا البر هوش ،كان درس القراءة يلقن بالشتم ،ودرس القرآن بالضرب ،ودرس الفرنسية بالفلقة....كان الرعب يتملكني و أنا أغادر حضن أمي في اتجاه المدرسة، تبولت في سروالي خوفا أن أطلب من معلمي السماح لي بالتوجه للمرحاض الذي لا يوجد ،كانت الساحة مرحاضا لنا.

تكرر تبولي...

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة