قلة الشغل و عيد الشغل
عبد السلام أقصو
ينتقد المغاربة عيد الحب ، باعتباره عيدا دخيلا ومنافيا لعاداتهم و تقاليدهم ، وما دأب عليه الآباء و الأجداد ، أصدرت في حقه مجموعة فتاوى على الصعيد العالمي على أنه محرم لتشبيه بالغرب ، ألم يكن عيد (الشغل) هو الآخر تشبها بعيد العمال عند الغرب ؟، نحتفل بشيء لا نملكه أصلا .
فالدستور المغربي القديم والحديث ينص على أن الشغل حق من حقوق الإنسان، يجب على الدولة حمايته و توفيره، والعمل على سن قوانين و مساطر تؤطر هذا الحق و تسهر على تنظيمه بما فيه العلاقة بين المشغل و العامل ، في القطاع العام و الخاص و توفير شروط العيش و الكرامة ، لقول المثل " من لا شغل له لا كرامة له " .
البطالة شبح يخيم على مخيلة الشباب المغربي، و خصوصا الذي يتابع الدراسة بالجامعات المغربية ومراكز التكوين المهني، لغياب التوجيه و المراقبة السليمين قصد اختصار الطريق و استثمار طاقات الشباب و سرعة إدماجها في سوق الشغل.
إدماج الشباب في سوق الشغل ليس بالأمر الهين ، رغم إطلاق الدولة لبوابة الوظيفة على شبكة الانترنت قصد توفير مبدأ تكافؤ الفرص ، إلا أن الإدماج تشوبه الشوائب من شتى الميادين والمجالات ، بحيث لا زلنا نسمع " باك صاحبي " ، إضافة إلى ارتفاع نسبة الرشوة يحتل فيها المغرب الرتبة 91 في محاربة الفساد و الرشوة ، في حين كان يحتل سنة 2012 الرتبة 88 و سنة 2011 الرتبة 80 في تقرير منظمة الشفافية العالمية والدراسة شملت 177 دولة .
الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل و الكفاءات ، هي الأخرى تعمل جاهدة على الرفع من أرقامها ، بتسجيل مرشحين جدد ، لكن هي الأخرى لا تحترم القوانين المنصوص عليها و خصوصا مدونة الشغل التي تنص على الحد الأدنى للأجور ، وتحديد ساعات العمل في ثمان ساعات ، إضافة إلى عقود العمل التي تنافي ما تنص عليه المدونة ، والتي تحرم المستفيد من التغطية الصحية (... ) ، لتجعل من الشباب ينفر من خدمة الوكالة .
عقد العمل نظام أساسي و بند تنص عليه مدونة الشغل، وهو المنظم الرئيسي للعلاقة بين المشغل و الأجير، تحدد من خلاله مدة العمل، و الأجرة الشهرية (...) ، وغالبية الأجراء يعملون بدون عقود عمل ، وأرباب العمل أيضا يتحاشون إبرام عقود عمل مع الأجراء ، تفاديا لوقوع متابعات قضائية ، وقد يلتجأ أرباب العمل إلى إبرام عقود عمل ANAPEC ، هذه الأخيرة التي لها صلاحية لمدة سنتين ، يمارس فيها الأجير عمله " كمتدرب " لا يستفيد من أية امتيازات ولا تغطية صحية لا هم يحزنون .
قد يوقع المشغل مع الأجير عقد عمل ، من نوع CDD المختصر الفرنسي لعقد عمل منتهي المدة ، محددة مدته 6 شهر ، يتم تغييرها مع انتهائها بعد توقيع ورقة التنازل عن التعويضات و المستحقات ، وتغييرها لأكثر من مرتين ينافي ما جاءت به مدونة الشغل الجديدة .
شروط العمل تفتقر لأدنى شروط الكرامة و الإنسانية، لا من جهة العاملين بالقطاعات الصناعية أو الفلاحية أو الخدماتية ، شروط لا إنسانية .
عاملات الموقف يستيقظن لساعات مبكرة مع صياح الديك ، و الوقوف في " الموقف " لعل الله يرزقهن عملا يسدن به رمقهن ، وبزيادة ساعة على التوقيت الرسمي للمملكة تكون الأجواء مظلمة يتعرضن فيها لأبشع أنواع التحرش الجنسي لا من قبل الواقفين بجانبهن من رجال ولا من قبل القائمين على تدبير المقاولات الفلاحية التي يقصدنها ، لا يعرفن معنى الحد الأدنى للأجور ولا قانون همهن الوحيد الحصول على لقمة العيش .
في هذا الوطن يباع الدين و الخدر و البشر ، نعم البشر فاللحم البشري النسوي عرضة للمساومة بأثمان زهيدة ، في مناطق الأطلس المتوسط ، و يختص في هذا المجال إقليم إفران خصوصا منطقة آزروا ، سيدي عدي و عين اللوح ، السياحة الجنسية بامتياز ، نسوة لا ذنب لهن سوى أنهن لم تتح لهن فرص الكسب الحلال و العيش الكريم، دخل قار يجنبهن و أبنائهن التشرد والضياع في مناطق المغرب العميق .
كان لي موضوع بعنوان " محنة رجل خاص" نشر على هذا الموقع الإلكتروني، لكن لا بأس في أن نعاود التذكير على أن ، للدولة يد في ما يجري من انتهاكات في حق الطبقة الشغيلة المغربية وخصوصا في هذه الشريحة الاجتماعية التي تقبل العمل في مثل هذه الظروف 12 ساعة من العمل بدون أكل ولا شرب ولا لباس يحترم معايير المناخ ، ولا حتى أجرة شهرية قد لا تصل إلى الحد الأدنى للأجور.
حد الأدنى الأجور هو الآخر رغم إصدار الدولة لقرارات جريئة للرفع من قيمته ، تماشيا مع ارتفاع تكلفة المعيشة و تحسين أوضاع الشغيلة والبشرى في هذه السنة إصدار الدولة لقرار الزيادة في الحد الأدنى للأجور ليصل إلى 3000 درهم بحلول شهر يوليوز ، الشيء الذي استنكرته " الباطرونا " ، لما له من تأثير على تنافسية المقاولات (...)، وإن كان لليد العاملة دور أساسي في العملية الإنتاجية للمقاولات، رغم كون الحد الأدنى للأجور فمواقع الوظائف وخصوصا ANAPEC لا زالت تنشر إعلانات لوظائف بأثمنة بخسة بين 1000 درهم و 1800 درهم وغالبها في القطاعات الخدماتية " الأمن الخاص " (...).
إن كان قانون الشغل موجودا في شخص مدونة الشغل الجديدة ، فإن قوانينها لا زالت حبرا على ورق ، تنتظر مؤسسات فعالة لترسيخها ، فمندوبيات ومفتشيات الشغل على مستوى التراب الوطني ، تبقى بحاجة إلى قوة وصلاحيات كبيرة لفك نزاعات الشغل و الفصل فيها في حيز زمني قصير دون اللجوء إلى المحاكم الابتدائية ، فالمحاكم الابتدائية قد تعيد التعويضات و الحقوق إلى دويها ، لكن بعد العمر الطويل وبنسبة قليلة بعد أن دخلت فيها ، أتعاب المحاميين و النقل (...) إلى غيرها من المصاريف التي تجعل من التعويضات التي يتقاضاها الأجير تعويضات هزيلة.
النقابات في وطننا الحبيب تعيش في غربة ككائن منبوذ و غير مرغوب فيه وخصوصا بالقطاع الخاص ، ومنه فإن النقابة العمالية قد تؤدي بالعمال المنخرطين بشكل أو بآخر إلى التسريح ومن تم إلى التشرد والضياع، لتشعر الطبقة الشغيلة بالحكرة والشماتة لانخراطها في هاته النقابات ظنا منهم أنها ستدافع عنهم و عن حقوقهم، ليجدوا أنفسهم قد اقتنوا بطاقة لا فرق بينها و بين تذكرة قطار سوى أن القطار تستفيد منه ، بطاقة انخراط بمقابل مادي يصل إلى 100 درهم ، البطاقة المشئومة التي كانت سببا في طرد العديد من العمال من الشغل لأنهم لم يعلموا أن " الحق عند مول الشكارة ".
إن أكثر ما نملك البطالة فلنخلد لها عيدا ، فنحن البلد الوحيد في العالم الذي نحتفل بأشياء ليست لنا ، ولدينا وزارات لقطاعات ليست لها وجود أصلا ، فاتح ماي أو فاتح يونيو (...) أيام كسائر أيام الله تعالى، كما يقول المثل المغربي " لي عندوا، عندوا "، رأس الشهر غالبية الناس تتممه " كريدي " ، الناس في وطننا لم تعد لها الاستطاعة للاحتفال بأعياد التي شرعها الله تعالى ، لغلاء المعيشة و الزيادات المتكررة .
تعمل الدولة على توقيف العمل و الدراسة ليوم ، في فاتح ماي للاستعداد و التفرغ لشق رؤوس المعطلين و المتظاهرين ، الراغبين في المطالبة بالشغل وتحسين الأوضاع والكرامة و العيش الكريم .
الشغل إشكالية كبيرة تأرق فئة الشباب و العاطلين ، الذين لا زالوا ينتظرون من الدولة إيجاد حلول ناجعة و ممكنة للحد من هذه الظاهرة التي لها اليد الطويلة في خلق العديد من الظواهر كالسرقات والتشرميل .
إن كانت الذكرى فقط من أجل ذكرى ، فالأحق " خليوا ولاد الشعب تقرا وخليوا الناس تقضي مصالحها فالإدارات " ، كم من فاتح ماي مضى ، و العمر انقضى ، والناس لا زالت تنتظر ذلك الحلم المشرق ، الحصول على عمل و تكوين أسرة (...).
لكن يبقى الصادق قول المثل
" والله لا قفلتي لا فورتي " ، وأضيف " ويلا ساينتي الحكومة لا خدمتي ".
