شعب النكت و"الخرايف"

شعب النكت و"الخرايف"

محمد منير

 

     يحكى أن شيخا فقيها وهو في مناسبة عامة قام خطيبا في الناس وفي معرض حديثه عن الحلال والحرام قص عليهم "نكتة" أو مستملحة ليروح عليهم بعض الوقت فقال : عزم ثلاثة من قطاع الطرق "الشفارة" على سرقة قصر الملك فلما فتحوا خزينة المال والذهب حمّلوها على حمار القصر ، وفي طريق العودة تآمر اثنان منهم على قتل الثالث ليخلو لهم حقه وما هي إلا ساعة أخرى على فعلتهم حتى غدر كبيرهم بالآخر فقتله ، وبُعيْد وصول السارق القاتل الغدّار إلى مخبئه تعثرت قدماه سقط فمات ، وقف الحمار هنيهة "ليفكر" وحار في أمره وأمر حمله الثقيل وما كان عليه إلا أن عاد أدراجه إلا القصر ، سأل أحد الحاضرين الشيخ قائلا : إذا كان السارقون الثلاثة قد ماتوا كلهم وبقي الحمار فمن الذي قص هذه القصة "النكتة" ؟ هذه مستملحة سمعها زميل لي في العمل على إحدى القنوات الإذاعية وقصها علي ليفرج عني بعض الوقت غير أنه ركبني هم وغم وحزن عميق ليورطني في كتابة هذه السطور المتواضعة.

     يحز في نفسي ما أرى وأسمع من مستوى ثقافي ومجتمعي وضيع عند أكثر المغاربة وذلك في جميع المنتديات العامة والخاصة سيما في التربية والأخلاق والمعاملات وهذه لعمري الضربة القاضية للأمم والقشة التي قسمت ظهر البعير ، ولعل ما نراه ونسمعه من تدنٍّ في أغلب إعلامنا السمعي البصري إلا مرآة تعكس بحق الوجه المظلم لشريحة عريضة للشعب المغربي على مختلف أعمارهم وطبقاتهم وانتماءاتهم ومذاهبهم ، والأدهى من هذا وذاك عندما نشاهد أو نسمع أحد المثقفين أو السياسيين يستعمل في تعبيراته عبارات نابية أو سوقية "زنقاوية" لا تليق بمن في منزلته أو مقامه ، أما بعض الصحافيين والإذاعيين فحدث ولا حرج فإن قواميسهم مليئة بألفاظ يثقل اللسان عن ذكرها ويمتنع القلم عن تسطيرها ويحتشم الحرف عن تمثيلها ، نكت إباحية وأخرى لا معنى لها إلا محاولة إضحاك الناس وانتهت القصة وفي المقابل شريك من المشاهدين أو المستمعين من الأمة غافل ومُستغفَلٌ بل مُتغافِل قد أسقطه الضحك ومُرِّغ وجهه في التراب ، ومن أجل ماذا ؟ ما الفائدة ؟ يقولون من أجل الترفيه والتفريج عن هموم الناس والترويح عنهم .. بماذا تفرجون عن الناس وتروحون عنهم ؟ بنكت الجرأة في الوقاحة ؟ بنكت التنويم المغناطيسي وحبوب الهلوسة الإجتماعية ؟ بنكت الأحلام واليقظة وألون الكلام الهولامي ؟ أم بإشاعة الفواحش وسوء الأخلاق وتعويذ الناس على الكلام الساقط ؟ ليتكم تُجرِّؤون الناس على الجهر بالحق ، وتذيعون على أثيركم أبجديات الحس الإجتماعي والفن الراقي والتهذيب الروحي ، ولكن هيهات هيهات ففاقد الشيء أنى له ذلك ، إنما هو دمية مسخرة في يد أسياده سلطوه على هذا الشعب ليخرب عقله وسلوكه هو نفسه أولا قبل عقول الآخرين وسلوكهم ، وما من رقيب ولا حسيب على هذه المنابر الإعلامية الفاسدة المفسدة للذوق والحس المجتمعيين الرفيعين ، يقولون " سلموا القط مفتاح القرار " ألا يكفيكم ما يعانيه هذا الشعب من ويلات الأمية والتجهيل و التفقير؟ أعلى قلة المعاول التي تعمل في هدم الأصول والفصول لهذه الأمة ، تضيفون فصلكم الأخير من مسرحياتكم الأزلية العرجاء ؟ يقولون " الهم إلا كثر يضحك " لعله شعاركم ودثاركم على فقركم في ميدان الإعلام وقلة حيلتكم وجهلكم ، ولعلها من سخافات "حديدان الحرامي" ومسلسلات "قولو العام زين" وبرامج "عرسان وقُبل بلا حدود" يقولون أيضا " إذا لم تستح فاصنع ما شئت ".

     قد نعزو هذه الأنماط من السلوكيات المجتمعية الهجينة إلى عوامل عديدة تتمحور حول ثلاث مرتكزات أساسية وهي : أولا : الحكم ، يقولون " إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " ثانيا : التربية والتعليم ، ويقولون " لي بغا ينجح العام طويل " ثالثا : المال ، يقولون أيضا " المال السايب يعلم السرقة ".

     وقد تصبغ هذه العوامل بمتغيرات تحكمها التدافعات الداخلية والإقليمية والدولية ولا يمنع هذا من تحمل المجتمعات والأفراد تبعات مآلاتها سلبا وإيجابا ، وهنا سؤال يفرض نفسه وبإلحاح ؟ كيف نحمي أنفسنا ومجتمعنا من هذه الضربات القاضية ؟       

     قد يتوهم البعض بأن الضربة القاضية عبارة عن صاروخ أرض أرض أو جو أرض أو قنبلة نووية أو ما شابه من الأسلحة الفتاكة ، وقد يتوهم آخرون أن الظلم والفساد هما أس هلاك الأمم وبقية أخرى تجزم بالقطع أن الفقر هو القاتل اللعين ، ولا أحد ينكر ما لهذه العناصر من تأثير بالغ في إفساد المجتمعات ، ولكن الحق حق أن يقال ويتبع ولو أبت نفوسنا أو كره الكارهون ، فعندما نعود لندقق في المواصفات التي تسمو بها الشعوب أفرادا وجماعات نجد في المقدمة المعدن الأصيل للتركيبة المجتمعية المنحدر منها ولا شك أن المغاربة كل المغاربة شعب أصيل في عروقه وجذوره وثقافاته المتنوعة ، لكن المعدن إذا أُهمِل فقد لمعانه وبريقه وقدره ومقداره ودخل إلى قمامات المزابل العمومية من واسع الأبواب يقولون " النعمة التي تم تجاهلها تصبح نقمة " وصدقت فيه الأقاويل الرخيصة ويقولون أيضا " إن قلة الدين وقلة الأدب وقلة الندامة عند الخطأ وقلة قبول العتاب أمراض لا دواء لها " وأصبح شعبا بلا عنوان ولا هوية أو هدف ، وكذاك من المؤهلات التي تعطي للمجتمع نفسا متجددا وراقيا عدم الرضى عن النفس ومناقشته للواردات عليه من الداخل والخارج واضعا إياها على المحك قبل قبولها وهضمها هكذا اعتباطا وسذاجة ، إذ الواردات عليك لا تخلو من ثلاث إما أمر نضج وجرب وآتى أكله أو أمر أثبتت التجارب أنه مرض فتاك ولا رجاء في علاجه أو آخر لم تكتمل معالمه ولم يجرب بعد فاحذر أن تكون فأرا للتجارب ، إن هذان العنصران السابقان لا يستقيمان أبدا إلا بمفتاح الوعي والنضج المجتمعيين لا استغناء عنه أبدا ألا وهو تقديم البديل بالقوة الإقتراحية والمبادرة الإبداعية والسبق بالقدوة والنصح بالمناصحة والصدق بالمصداقية ، هذه العناصر إذا توافرت في مجتمع تنبعث فيه الروح ويمكنه أن يصلي صلاة الجنازة على حكام الجور وعباد المال ومواطنو الكرتون .

 

     إنك أيها الحامل لهم البلاد والعباد أمةٌ وحدك وأنت وحدك جيش جرار تستطيع أن تغير مسار المجتمع ثقافة أخلاقا ومذهبا وبالتالي منهج حكم ، فقط عليك ألا تكون إمعة في تربيتك في فكرك في مواقفك ، حصنك الحصين في ذلك العلم والتعلم من تجارب الآخرين ومن تاريخ بلدك والأمم السابقة وكذلك من أخطاءك ، لأن هذا هو غذاءك الروحي للقيام بما يتوجب عليك القيام به لنفسك ولغيرك .

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة