رسالة إلى ذوي العقول الحكيمة والقلوب الرحيمة
محمد منير
منذ سنوات وفي إحدى خرجاتي للعمل كنت بإحدى المناطق بجهة الجنوب الشرقي من بلادنا بصحبة مسؤولين من الدولة ، أحدهم كان شيخ القيادة بالمنطقة والآخر مستشار منتخب والثالث موظف بالمكتب الوطني للكهرباء ، وفي طريقنا سجلت مجموعة من الملاحظات كعادتي على كل منطقة أزورها إن سياحة أو في إطار العمل ذلك لطبيعة عملي الذي له صلة وطيدة بالمواطن وخصوصا أهل القرى والمداشر ، وباعتبار الحالة المزرية التي يعيشها جلهم إلا القليل والقليل جدا ، وغالبا ما يكون غريبا أو من الجالية المقيمة بالخارج ، وأسجل تساؤلاتي بأجوبة عن طريق ما أسمع وأرى أو بالإستدراج في الحديث ونادرا ما أطرح السؤال مباشرة لحساسية المسؤولين الحاضرين معي ، والحقيقة المُرة التي لا أحد يمكن حجبها أو إنكارها هي الحياة القاسية التي يعيشها سكان هذه الناحية والتي تتمثل في شح الماء والأمطار والآبار القليلة والمتواجد منها غائر جدا وأغلبها مالح < شلوقي > والحال أن الأهالي هناك يقتاتون من الفلاحة فقط والقليل من تعاطى للتجارة أو هاجر للعمل بالمدينة ، أما فيما يخص المرافق الإجتماعية والحيوية وخصوصا المستوصفات غائبة أو بعيدة جدا على إفلاسها وفلاسها .
انتهينا ذلك اليوم وقفلنا راجعين وفي طريق العودة استرعاني منظر الأراضي الجرداء القاحلة حيث لا زرع ولا ضرع ولا خضرة إلا من بعض الأشجار المعدودة والغير المثمرة على جنبات الطريق ، وهذا المنظر الشاحب اللون كان يغطي جل تلك الناحية إلا من بعض البقع الخضراء المحفوفة بأشجار السرو المصطفة والمتراصة وكأنها قلعة بيزنطية عصية الإقتحام ، وهذا رغم نُدرة الماء وقلة الأمطار ، وهذا لغز حيرني وجعلني أتساءل مع نفسي كيف تكون هذه الضيعة خَضِرَة نَضِرَة والأخرى بجانبها صحراء عجفاء ، وكلما سرنا في طريقنا ومناظر الكآبة من كل الجنبات تكاد تصرخ من شدة ما أصابها من العطش والتشقق في أوصالها ، وهالني ذلك المنظر الرهيب وجعلني أحدث نفسي وخلجات صدري تعتصر من الألم والحسرة ومن هذا الحيف والميز الذي حاق بهذه الأراضي وأصحابها ، وغدا صوتي مسموعا تتجاذبني خواطري ولواعجي من ضيعة لضيعة ومن تلة لأخرى ومن واد إلى وادي ، ووجدتني أهذي وحدي كالأحمق لا أحد من الراكبين معي يحدثني أو يبالي بما أقول ، فلعلهم ألفوا هذه المناظر القاسية وقست قلوبهم ، فسألتهم مستغربا كيف يعيش هؤلاء الناس ؟ بالصبر ... أجابني أحدهم ولعله المستشار ، أليس هناك ماء ؟ سألتهم ثانية ... المطر قليل هذه السنوات الأخيرة ... يقول المستشار ، أيوجد في هذه الناحية بئر أو نهر ؟ فأجابني شيخ القيادة ... لا أنهار والآبار نادرة وغائرة أكثرها مالح << شلوقي >> إذن ماذا يشربون ؟ ماء نقي يشتريه الناس من مكان بعيد ... يقول المستشار ، أظنكم ستقولون لي أن الأهالي يعملون في الفلاحة ، أليس كذلك ؟ هو كما تقول ... أكد لي كلامي أحدهم ... فقلت لهم متعجبا ألا ترون ما أرى ؟ الأراضي تبدو وكأنها صحراء خلاء وصمت رهيب ، لا طيرا يطير ولا وحشا يسير إلا من بعض الحشرات والزواحف الغريبة وصوت السيارة وحده يملأ المكان .
سكت الجميع لوقت طويل أو بالأحرى انخرس لساني من هول ما رأت عيناي وسمعت أذناي ، وبعد مسافة ليست بالبعيدة بدأت تكتحل أعيننا بالنضرة والخضرة والأشجار المثمرة عن اليمين والشمال والنعم والطيور وما تنشرح به النفوس وتطمئن به القلوب ، فكأنما كنا في بلد وصرنا في بلد آخر أو روضة من رياض الجنة ، وبدأ لساني يلهج مرة أخرى بالثناء والحمد لما سرني مما وجدنا من خيرات البلد والمياه من كل الجنبات ، تسقي وتروي الحرث والنسل ، وما هي إلا لحظات من سيرنا في طريقنا من خلال هذه المروج إذ بطائرة صغيرة الحجم تحلق فوق رؤوسنا أفزعنا صوتها الهدار ، حتى إذا حلقت فوق المحاصيل ألقت بالأدوية والمبيدات ، تساءلت حينها بصوت عال لمن هذه الطائرة ؟ لمن هذه المروج ؟ ومن أين لهم بهذه المياه العذبة ؟ ووو...؟؟؟ وكثرت أسئلتي وتساؤلاتي ؟؟ ولا من مجيب لا منتخب الشعب ولا شيخ السلطة وكأني بمسؤول الكهرباء يلمزني ويغمزني كي أكف عن النبش فيما لا يهمنا ولا يعنينا وقد يجلب علينا وابلا من المشاكل والمهالك ما نحن في غنى عنه ، ولسان حاله وحال كثير من الناس يقول < خلينا ناكلوا طرف ديال الخبز > ولأنني عنيد أو ربما ثقيل الفهم أو لأنني من الذين لا يثقون في إعلامنا التلفزي والإذاعي وفي الذين يطبلون ويزمرون للعهد الجديد ودولة الحق والحقوق ودولة القانون الذي يعلى ولا يعلى عليه ، وأطبقت علينا مرة أخرى سحابة سوداء مظلمة من صمت رهيب يملؤه الخوف والهلع والحذر وكأني أشم رائحة الخطر والحظْر المخزني والمخابراتي من شيخنا البار ، وبطعم الغدر والنكوص الحزبي والنخبوي من منتخبنا الوفي ، وبنكهة الإستغلاليين بشباك الصيد في الماء العكر للمؤسسات العمومية وشبيهاتها ذات الأوسمة والنياشين ، سكوت ثم سكوت وطريقنا لازال بعيدا وغياهب الحيرة تلقي بي في صمت غوير لا قعر له ، أحاول أن أفهم وأعي ما يدور حولي من ممارسات الحيف والميز الإقطاعي الذي ظننا أنه زال بزوال العهد القديم وقيام الثورة البلشفية وثورة الجياع ، ولكن يبدو أنه كان حلما مزعجا أقض مضجع عصابات الدولة العميقة من مصاصي الدماء الغنية بفيتامينات الدروشة والبساطة للأمة المغربية والممزوجة بنوع من الغباء المغناطيسي وفوبيا المخزن الذي تربى فيه الشعب على مدى خمسة عقود ، لكن وكما يقول أسيادنا السابقين < دوز على الواد الهرهوري لا دوز على الواد السكوتي > وكما قال الشاعر محمود درويش :
إذن ...
سجل برأس الصفحة الأولى
أنا لا أكره الناس، ولا أسطو على أحد
ولكني ... إذا ما جعت، آكل لحم مغتصبي
حذار ... حذار ... من جوعي ومن غضبي...
لازلنا نسير في طريقنا الطويل ولعل سبيل العودة لازال ممكنا رغم كآبة المنظر وغرابة المَخبَر ولازال الصمت يغلف الأجساد ويورث الخذلان ، وعند إحدى المنعطفات التلّية تراءى لي عن بعد شبه بحيرة أو ما شابه وما لبثنا أن مررنا بسيارتنا بمحاذاة هذا السد التلي الكبير والممتلئ بـ 60 أو 70 بالمائة من مخزونه ، وهنا زادت حيرتي وعثرت بغلتي وأوقفت سيارتي ، فهذا المنظر جدير بالوقوف عنده ولو لدقائق معدودات حتى أتمكن من غسل أنفي من روائح الحريق والدخان التي كتمت أنفاسي وأصابتني بالغثيان ، ولعلنا نتوضأ ونصلي ركعتي حمدٍ وشكرٍ لله رب العالمين أن رزقنا بهذه البحيرة ومائها العذب ، لكن شيخ القيادة قال لي بعفوية مطلقة < هاد الضاية ديال الما راها ديال سيدنا > فكأنما سمع مقالتي وفهم غايتي ، وهممت بفعل ما حدثتني نفسي به من شرب الماء والتوضئ به فكرر مقالته محذرا إياي بأن هناك حراسا للبحيرة ، لكنني أتممت قصدي وصلينا صلاة العصر جميعا ، وحضر التيمم وبطل الماء على عكس القاعدة الفقهية المعروفة والتي تقول < إذا حضر الماء بطل التيمم > ولعل بطل تلك اللحظات الغريبة هو النفاق المجتمعي بكل أطيافه وأصنافه سلطة ونخبة وشعبا ، وابتسامات عريضة مريضة اكتفى بها البعض بقوله < تقبل الله > .
لكنني لم أكتف ولم أحتف بما يقولون وكعادتي أحب النبش والنفش لمعرفة الحقيقة فلكل قول حقيقة ولكل فعل صديقه ، وسألت شيخ الدولة سؤالا مباشرا هل أنت متأكد بأن هذه البحيرة لملك البلاد ؟ صعق المسكين بصراحتي وتلفت يمنة ويسرة فكأنما شبح ما يطارده وأجاب وهو في شك من أمره < إوا .....تايقولوا الناس ؟؟؟ > وأردف قائلا < إوا .... الله اعلم ؟؟؟ > أما صاحبنا المستشار فقد ابتعد عن دائرتنا بضع خطوات لعلها تشفع له عند أسياده ، أما رفيقي في العمل موظف الكهرباء فقد التهم لسانه ولزم الصمت و< الصمت حكمة > كما يقولون ، وقلت للشيخ إذن فهذه البحيرة مخصصة لسقي المروج التي مررنا بها في طريقنا ؟ أجابني بدون تردد < أو راه هاديك جردة تاهي ديال سيدنا> لكن رفيقي وصديقي مكتب الكهرباء انتهره بشدة وحدة موظفي الدولة وقال له : ألم تقل قبل قليل < الله أعلم > وهنا اتجهت بسؤال مباشر إلى مستشارنا لينورنا : إذن قل لي يا منتخبنا لماذا لا يتم سقي الأراضي المجاورة من هذا السد التلي ، فأجابني بدون تردد قائلا : ممنوع الإقتراب من هذا الماء منعا كليا ، أجبته أنا الآخر بدون تردد لا أظن أن كلامكم صحيح ولا أظن أن ملك البلاد يمنع شعبه ورعيته من هذا الماء أو غيره في مكان آخر ، وما أظنها إلا ممارسات حقيرة ونسجا من طرف المسؤولين عن البحيرات التلية وعن الحدائق والمروج وإن كانت حقيقة في ملك عاهل البلاد ، وإنما يسعون لتخويف الناس بهذه الأكاذيب مكرا وخبثا من عند أنفسهم وإرهابهم ببطش الملك بهتانا وافتراء ومنعهم حقوقهم وحتى لا يطالبوا به ، وهكذا يخلو لهم الجو للتلاعب بثقة سيدهم ورعيته وليقدّمُوا بعد ذلك تقارير مغلوطة وفواتير مسروقة تأكل الأخضر واليابس ، وقد لا يصل إلى أصحابها منها ثمر ولا تمر ولا يزيد في أرصدتها دولارا واحد ولا دينارا ، ولكنها تبقى مسجلة هناك في الملأ الأعلى باسم صاحبها ومالكها تبعات وإرثا ثقيلا، ولعل شيخ الدولة بقوله < الله أعلم > كان أعلمنا بحقيقة الدولة العميقة رغم أميته وبدويته وبساطته وأما صاحبنا المستشار ومنتخب الشعب كان صادقا عندما ابتعد عنا خطوات وخطرات فلعمري هذا حال نخبنا ونخامتنا بين واقع الأمة وحقيقة الدولة ، هنا أريد أن أوجه رسالة إلى من يملك عقلا حكيما وبصيرة في الحكم والحكامة ويملك قلبا حيا وعطوفا فإن < في كل ذي كبد رطبة أجر> كما قال سيدنا ونبينا الرحيم الحكيم ، ويملك درة الفاروق التي كان يضرب بها على يد الغاصبين لحقوق الملة والدين وضعاف الأمة والوطن والملك ، جاعلين من صور الملك وأسماء الملك وألقاب الملك فزاعات يخيفون بها المواطنين ويرهبون بها من تسول له نفسه فضحهم أو الإقتراب من مصالحهم وأما من تجاوز الحدود وتجرأ واقتحم عليهم مجالسهم ومخالسهم كان مصيره الحديد والنار ، ولعل كلامي يكون بردا وسلاما على من ألقى السمع بالحق واخشع القلب بالصدق ومد يده بالشدة في محق الباطل ، فإن لكل أجل كتاب ولا محالة من يوم الحساب ، وخطابي هذا ليس لرئيس الحكومة ولا لوزرائه ولا إلى منتدبيه ولا حتى إلى الأحزاب فهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا أما الأمة فقد أصابها من عجر الحكومة وبجرها ضرر بليغ .
