مول الحانوت في أرذل العمر

مول الحانوت في أرذل العمر

الطيب آيت أباه

 

 

وتتوالى الأحداث متسارعة يهش عليها الإرهاق بعصاه الخشنة ، فتمر المواضيع في ذهني تباعا كأنها صحون هوائية طائرة ، وحدها إشارات مول الحانوت تلتقطها رداراتي وسط فضاء مشوش بالكثير من المعيقات ، والناس مهما بَذلْتَ من جهد لأجل ترجمة معاناتهم ، يتسرب العمر من نوافذ حياتك ، فتعيش التيه أبدَ الدهر بكل تجلياته حائرا بين شعاب المنطق ، لا يواسيك المنهمكون في تحصين الثروات ولو بكلمة شكر ، لا معنى لها وازن سوى في قاموس كلمات ليست كالكلمات .

راحت إلى غير رجعة سنوات طوال ، كلما فتحت سفر ذكرياتها تصفحا تتزاحم فواصل الأسف ضاغطة على الجمل ، حتى تصير مقزمة في حجم مصطلحات أنانية ، لاتصبّ في نفس المغزى . هكذا تتفتت التعابير إلى ما يشبه حباة الحصى المتناثرة ، تقلها الأعاصير إلى أجواف المقل ،  فتملأ الرمال شساعة الأبصار ، ورويدا رويدا حتى يسدل العمى سُتُره . ومهما بلغ بنا التأسي على ما مضى ، نطلق عنان البصيرة ثم نستجمع الآمال ونلملم ندوب الزمان ، لنعاود الإلتحاق بطوابير المتفائلين عسى أن تغمرنا سعادة عابرة ، نستشعرها في لحظة إنتعاش ، تتدفق على إثرها الدماء إلى الأنامل مصحوبة بتيارات تحدد وجهة القلم وفق خارطة أفكار ، لتنتظِم التركيبات على السطور السيارة مواضعا لا تتوقف عن الترحال في جغرافيا الأذب .

قبل النبش في سلة المهملات لإثارة ملف التغطية الصحية لدى مول الحانوت ، دعونا نغتنم الفرصة لتوجيه الشكر إلى فرقة شباب أحواش سوس المرابضة في خنادق غابة تامسنا سيدي يحيى زعير ، للدفاع عن الموروث الثقافي الأمازيغي بلباقة فنية راقية ، ففي كل يوم أحد لا يتخلف أعضاؤها عن واجب الترفيه عن المصطافين ، وبعلو كعب إستطاعوا أسر القلوب في معسكرات الوئام والتآخي . تلك إذن عفوية التاجر الخدوم ، فهو في دكانه بقلب الحي مجند لإستثباب الأمن الغدائي ، ويوم الترويج عن النفوس يسد فراغ فضاءات الإستجمام . أكاد أجزم أن ليس هناك بشر من هذا القبيل ، فقليل في حقه ما يمكن أن يخطر على بالكم من أوصاف عدى أنه منبع عطاءات لا ينبض ولو تسلط عليه ورثة يغرفون بدون رادع ، ربما لو تعمق المختصون في تحليل أسلوب حياته لتوصلوا إلى حقيقة أن هذا الكائن التجاري بلسم لا نكترث لأهميته ككثير من المنافع البيئية لوّثناها قبل أن نقاسي خطر إفتقادها ، وعلى نفس المنوال لا يفوتني أن أرسم شارة النصر عرفانا وتقديرا للتحفة الفنية التي تغالب قافلة المواطنة الصعاب من أجل نحثها في أذهان التجار ، فبالرياضة يمكن القضاء على كثير من الموبيقات . فهنيئا لكل من يتكبدون المشاق بهدف الحفاظ على زخارة موروثاتنا بكل أصنافها ، وطوبى كذلك لكل من يدافعون على قضايانا المصيرية كمغاربة أحرار ، وبين فرقة شباب أحواش سوس التي تتميز بضمها للأسطورة الصاعدة في هذا الفن ، الطفل النجم آدم إبن الرايس حسن ، وفرقة الدراجات الهوائية بقيادة الأخ رشيد المناضل بطريقته المتفردة في قضايا التجار ، لابد من وقفة إعتزاز بدوري الصداقة الذي تنظمه جمعية القفطان للتنمية والتضامن في إطار وقاية الناشئة من مخاطر الإنحراف ، وقد تشرفت بالحظور إلى جانب المشرفين على هذا الحفل الكروي في لقاءي النصف النهائي بالملعب البلدي لتمارة ، وهناك إقترحت مازحا على رئيس اللجنة الأخ عبد اللطيف الدقون تنظيم مبارة تجمع بين التجار وحرفيي الخياطة التقليدية ، على أن نلبس نحن وزرات العمل فيما هم يلبسون الجبادور .

رجوعا إلى مسألة التغطية الصحية الشاملة فحسب منظمة الصحة العالمية ، المقصود من التغطية ضمان حصول الجميع على ما يلزمهم من خدمات في هذا الحقل من دون مكابدة ضائقة مالية تعيق الإستفادة ، وعلى كل مجتمع يسعى إلى تحقيق هذا المبتغى أن يأخد على محمل الجد مرتكزات نذكر منها :- إقامة نظام صحي فعال وإنشاء نظام للتمويل مع إتاحة الأدوية والتكنولوجيا الأساسية بالإضافة إلى تهيئة أطر من العاملين المدربين جيدا . هذا من جهة المانح أما من جهة المتلقي فلا يظهر من النهايات المأساوية التي ينساق إليها الكثير من التجار ، أن هناك حتى شيء إسمه بّاراصول صحي قد يقي هاته الشريحة من المواطنين ولو شر نزلة زكام ، في حين توسعت الإستفادة لتشمل الوالدين كتعظيم لمنزلتهما وإحسانا لهما ، ولكن ألا يستحق مول الحانوت بِرا من هذا المثيل ، هو الذي يتعهّد ويمتثل إتجاه ساكنة الحي بلازمة)  كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (؟

أذكر أول خطوة في درب نضالي أوائل التسعينات وجها لوجه أمام غول تجاري شرس ، فقدت جراء التصدي له إمتيازات أضعها دائما في نفس سياق القصة الرائعة التي تحكي بإيجاز ، أن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قاده السفر إلى قرية بها مسجد ، وجد عند بابه رجلا سأله أن يمسك ناقته إلى حين أن يصلي ، فلعبت الأطماع برأس الرجل ليقرر خطف لجام الدابة وبيعه في السوق المجاورة ، وما أن فرغ علي رضوان الله عليه من أداء الواجب حتى خرج ممسكا درهمين جزاءا للحارس ، ولكنه وجد الراحلة لوحدها منزوعة اللجام ، ليتوجه إلى السوق حيث عثر على ضالته ، حينذاك سأل البائع :- من أين لك هذا ؟ ، فأجابه :- من رجل باعَنيه الساعة بدرهمين ، فقال علي قولته المأثورة :- أردت أن أعطيها له حلالا ، فأبى إلا أن يأخدها حراما .

نحمد الله على ما نابنا من رزق ، متأسفين على ما ضاع منا من حقوق ، مستنكرين ما شفطوا منا من واجبات ، فما عسى أن يفعل من شبّ على شيء إلا أن يشيب عليه ، وهنا تحضرني نكتة تحكي أن عطارا جمع ما بين المواد الغدائية ومستلزمات التفوسيخ  والتباخيرة ، حصل أن كان بصدد ترتيب السلع على الرفوف ، فوقعت منه سهوا زجاجة كحول ، وفي لمحة بصر خطف شفرة حلاقة وشرع يشرط كفه ويغمسها في سائل الألكول المهروق . إنه لعارٌ على مجتمعات يعتمد إستقرارها الغدائي والنفسي بالمقام الأول على كائنات تجارية ، أن لا يتم إستحضارها سوى في الأزمات ، ولتشبتها القوي بمخلوقات وفية إلى هذا الحد ومدربة على الإمتثال لدفتر التحملات ، إنتعشت صناعة الأقفاص التجارية . شخصيا أعرف من هذا الجنس المُستعبد أمثلة حية لن أبالغ إذا وصفتها بموسوعات المآسي ، من هؤلاء من يربط زيارة طبيب بالإعلان عن العجز القاضي مباشرة إلى فسخ عقدة الإعتقال ، ومن أرذل الرق إلى أرذل العمر في إنتظار التكريم الأوحد الممكن ألا وهو دفنه ميتا .

 

لا يسعني ختاما إلا أن أخلع القبعة ، تقديرا لكل إنسان لا ينطوي الظاهر من أعماله على مكر دفين ، فلا أحد معصوم من الخطأ ، كما أن لكل منا فواصل إستدراك وتأمل ، نقف عندها لإلتقاط الأنفاس . فواصل أسف على ما هضمته المزنجرات من حقوق ، أهمها على الإطلاق التغطية الصحية والإجتماعية التي لو حَسُن تدبيرُ واجبات تُحصد بدون وجه حق ، لإستخلصنا لأجلها ما يغطي كل الخصاص ، ويشيــــط الخيــــــــــــر .

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة