المسؤولية بين التحريض والتنفيذ

المسؤولية بين التحريض والتنفيذ

سعيد المودني

 

بعيدا عن أروقة النصوص القانونية المسطرةالتي يتم الاحتكام إليها في تنظيم حياة المجتمع،والمشرعة استنادا إلى سيادة مبدأ ضرورة رعاية المصلحة العامة وحماية الحق العام،عبر سلطة تواضعت الجماعة على تأسيسها وهيكلتهاوتحديد اختصاصاتها وصلاحياتها -نظريا على الأقل- والتي(النصوص القانونية)ربما قد تكون توفقت في تحقيق ما شرعت لأجله أم لا، انسجمت مع روحها في توفير العدالة والإنصاف والأمن بين أعضاء المجموعة البشرية أم لا،، بعيدا عن كل ذلك، وفي الشق "المعنوي" الذي قد لا يدركه التشريع أو لا يشمله الإثبات، يبقى التساؤل عن حدود الاتصال والانفصال في المسؤولية بين "الجاني" المباشر(المنفذ) وغير المباشر(الموجه/المحرض)، مشروعا، بل وفي كثير من الأحيان ضروريا وملحا..

إن هذا اللبس، وإن حاول المشرعون حسمه على المستوى الجنائي إلى حد ما، إلا أنه يأبى الانكشاف خاصة في ما تعلق بخلق ونشر وترويج وتثبيت وتنفيذ القيم التربوية والمجتمعية،والتي ينبني عليها -بالضرورة- الازدهار المدني والعلمي والتقني للمجتمع،ورقيه وتحضره،بشكل تناسبي مطرد في الاتجاهين الإيجابيوالسلبي..

إن توجيه مجتمع لقضاء وقت فراغه -ووقتنا جله فراغ- في البحث والحديث في أشياء أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ترف ولعب ولهو واستراحة تُستحق بقدَر بعد توفير أساسيات وعمل جد وتحقيق إنجاز وحصول تعب وعناء، وترويج إنتاجات مغرضة تؤدي إلى الإغراق في نقاشات وسجالات تلتهم الوقت وتستهلك الجهد وتغيب السعي للإنتاج.. فترانا نتفاضل ونتفاخر بمعرفتنا لموضة لباس الموسم وآخر إنتاجات الدراما و"الكليبات" ونجومها، والدفاع المستميت عن الفرق الكروية المحلية والعالمية والانتشاء بنتائجها(في هذا الموضوع بالضبط ينطبق علينا قول تميم البرغوثي(بتصرف): "اشتقنا لمسمى النصر فسمينا أي وهم انتصارا ولو كان هزيمة في الواقع"!!!)، والاجتهاد في تأصيل مكونات وطرق تحضير الحلويات والسلَطات، وطرُز الخياطة التقليدية... كل هذا -وإن كان يشكل جانبا حاضرا من المعيش- لا يظهر -كما سبق- كاستراحة أو استثناء أو ترفيه.. بل هو المداوم الثابت في مقرات العمل وأقسام الدراسة والشوارع والمقاهي والمنازل!!.. دون توازن من جوانبالإنجاز أو الإنتاج أو الجد.. فهو القاعدة، أو فلنقل -بالنسبة لطبقة عريضة من المجتمع على الأقل- هو الوحيد!!! وكأن لنا اليد الطولى في صناعة الحضارة، أو وكأنا أمّنا مصيرنا ومستقبل أبنائنا، فحق لنا الانتشاء والاحتفال والتفرغ للترويح والسفاسف!!!

الطامة وقمة السكيزوفرين أن هذا حاصل مع شبه إجماع -قبل ذلك وإبانه وبعده- لدى القواعد المنفذة أن هناك من يريد لهذه البلدان أن تبقى غارقة في هذا التخلف والترهاتوالهراء، فيغرقها في هكذا توجهات مقصودة مع سبق إصرار وترصد،، لذا فهم يشجبون وينددون ويستنكرون هذا التوجيه اللعين، غير أنهم بكل بساطة يعملون على تنفيذه بكل دقة وصدق وأمانة!!

تقوم أفراد باقي الأمم بمثل ما نقوم به، لكن بعد أن شيدت صرح نهضتها، وضمنت عيشها وأمّنت رفاهيتها وكرامتها واستقلالها، ومع هذا يقوم مواطنوها بمثل هذه "الترفيهات" في حدود حيزها المقبول، وذلك بعد أداء واجبهم المهني بجد وتفان وإبداع وإخلاص، والقيام بما ينفع الذات من رياضة أو مطالعة... وكذا بما ينفع المجتمع من الإسهام في الأعمال التطوعية لفائدة القوى المدنية.. فيكون "الترفيه" استثناء من المهام والوقت، مستحقا حاجة وأخلاقا..

توجيه إلى اعتماد الدجل والشعوذة كمكون في الحياة اليومية،و"الإيمان بـ"الأولياء""والتمسح بأضرحتهم كامتداد للإيمان بالله وضرورة لاكتماله..

توجيه إلى الأنانية كقيمة وحيدة تؤمن بها الشخصية، وشعور مسيطر على الانفعال والأداء.. أنا ومن بعدي الطوفان..

توجيه إلى تكريس انعدام الثقة في ذات الثقة، لا فرق في ذلك بين مؤسسة أو فرد، على اختلاف الأعمار والجنس والمستوى التعليمي والطبقة الاجتماعية والمهنة...

توجيه إلى اغتنام فرص الاغتناء والاكتناز والتسلق والرقص على الأشلاء ولو كانت ذات قربى!!

توجيه إلى الغش والتدليس والتزوير والعيش اللحظي، و"الله يخرج السربيس على خير"!!

في كل البلدان المتخلفة، تنفيذا لأجندات أسيادها في العالم الأول، ولأنها لا شرعية لوجودها لليلة واحدة إذا ما تركت الحرية والخيار لشعوبها، ونتيجة لداء حب السلطة  المتمكن الذي يصيب الحكام، ولأن هؤلاء الحكام لم يفعلوا خيرا يذكر لهم من طرف شعوبهم يراعونه لهم، بل شرورهم النافذة في كل بيت تشعل نار الانتقام منهم أول لحظة تجرد من قوة السلطان وغلبة السلاح... لهذا كله، وموازاة مع القبضات الأمنية الحديدية وتظهيرا لها، قامت أولئك الدول بأذرعها الإعلامية والمخابراتية... ومؤسسات "المجتمع المدني" الموظفة... بتكريس تلك التوجيهات في الحياة اليومية للناس حتى أصبحت من صميم النشاط اليومي العادي!!

مظاهر التخلف الناتجة -من ضمن ما نتجت عنه- عن التوجيهات السالفة الذكر لا يختلف على وجودها ولا على تكميمها اثنان، سواء من كان في الحكم أو في المعارضة، أفرادا أو مؤسسات، شعوباأو حكاما.. بل الداخل أوالخارج.. لكن الاختلاف قائم حول من السبب فيها؟ وهل مسؤولية الأفراد كمتمثلين لها على أرض التنفيذ تقل أو توازي أو تفوق نظيرتها لدى المهندسين المخططين المنظرين؟؟

 

إن المسؤولية كائن قابل للتشارك، وغير أحادي النسبة، ولا يخضع لقاعدة علاقة الكل بمجموع أجزائه من الناحية الكمية. هو متعدد الروابط، قابل للتواجد في نفس الزمان في أكثر من مكان، ولا ينتفي بالضرورة وجوده لدى طرف حين وجوده لدى طرف آخر.. فتحريض الشيطان للإنسان على الجناية لا يعفي الإنسان من الذنب تماما كما لا يقي المارد الإفك، وكذا هي علاقة الأب بالابن والزوج(ة) بالزوج(ة) والرئيس بالمرؤوس والحاكم بالشعب... فالمسؤولية مشتركة بنسب لا ينقص فيها نصيب أحد الطرفين بازدياد نصيب الآخر..

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة