لغز الزيادة في الأسعار

لغز الزيادة في الأسعار

محسن زردان

زيادات في الأسعار توالت تباعا لتضرب القدرة الشرائية للمواطنين في الصميم ،وتلهب جيوبهم من جديد، كان آخرها إعلان الحكومة المغربية عن الزيادة في أثمنة الماء والكهرباء حتى يتسنى إنقاذ المكتب الوطني للماء والكهرباء من عجزه المالي الذي كان سيودي به إلى هاوية الإفلاس السحيقة.

الشيء الذي يدعو للانتباه والحيرة معا، هو طبيعة هذه القرارات المؤلمة التي تخلف تدمرا واسعا في صفوف المواطنين، مادامت تمس جيوبهم وقوت يومهم وتنعكس سلبا على مستوى عيشهم.

من الجلي أن حكومة عبد الإله بن كيران تعلم علم اليقين أنها تسلمت مقاليد قيادة التدبير والتسيير بناء على وعود انتخابية سابقة تنطوي على تحسين القدرة الشرائية للمواطنين وضمان فرص التشغيل ومحاربة الفساد.

هذا المعطى يجعلنا نطرح علامات استفهام عدة، هل هذه الإجراءات هي بمثابة انتحار سياسي أم غباء ينم عن نقص في تجربة التدبير وقصور في بعد النظر، أم أن الأمر يتعلق بتكتيك واستراتيجية سياسية محكمة الخطوات والأبعاد.

عند تحليلنا للخطاب السياسي لحكومة عبد الإله بن كيران التي يختزلها أغلب الناس في حكومة حزب العدالة والتنمية بغض النظر عن كونه حليف للأحزاب الأخرى التقليدية، فإن طبيعة هذا الخطاب تتسم بنوع من التبريرية و تحميل تبعات الأزمة الاقتصادية والوضعية الصعبة للبلاد للحكومات السابقة، فضلا عن رفع شعار المساهمة في إنقاذ الوطن من تهديدات الثورات العربية التي ضربت المنطقة، وذلك ببعث نفس جديد في طريق الإصلاح.

يبدو أن سياسة الإصلاح التي ابتدأت بصندوق المقاسة، ستليها خطة لانقاد صندوق التقاعد بدوره من الإفلاس، مرورا عبر الزيادة في أثمنة المحروقات وصولا إلى الرفع من أثمنة الماء والكهرباء التي نهجتها حكومة عبد الإله بن كيران، حيث قد تلوح في الأذهان أنها شجاعة سياسية نادرة ترمي إلى إنقاذ البلاد من السكتة القلبية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ،ونابعة من روح المسؤولية التي تتغيى استمرارية الدولة والحد من نزيف الاقتراض والهدر لمقدرات البلاد حفاظا على أمل الأجيال المقبلة.

الشيء الجدير بالذكر، أن هذا التوجه التقشفي أملته الظرفية العالمية التي دفعت عدة دول إلى تبني هذا التوجه ومعه صندوق النقد الدولي، مما يجعل هذه السياسة التقشفية شرا لابد منه وليست رهينة بوصول حزب العدالة والتنمية وحده، بل هو توجه سيسير عليه أي حزب سياسي سيتسلم مقاليد السلطة مهما كان نوعه أو توجهه، بل حتى فرنسا التي يحكمها الحزب الاشتراكي دو التوجه الاجتماعي الذي يساند دعم التغطية الاجتماعية والقدرة الشرائية للمواطن الفرنسي، وجد نفسه مضطرا إلى تغيير سياسته بشكل جذري من خلال استنجاد فرانسوا هولاند بوزير داخليته السابق مانويل فالز ونصبه كوزير أول، حيث بدأ هذا الأخير بتنزيل برنامج أطلق عليه عقد المسؤولية يهدف إلى شد الحزام والتقشف قصد توفير حولي 50 مليار دولار في أفق 2017.

ما ينبغي قوله، أن المتتبع لطبيعة صنع القرار في المغرب لن يبذل مجهودا في تلمس حقيقة جلية للعيان وهي أن السلطات العليا التي تدير دواليب الحكم في البلاد قد تكون أبدت نوعا من الرضى على هذه الإجراءات لأنه كما هو معلوم من العسير على أية جهة سياسية في المغرب تمرير قرارات مصيرية أو استراتيجية قد يشكل تنزيلها إحداث قلاقل اجتماعية غير محسوبة العواقب دون أخذ موافقتها والتنسيق

معها، إذ من الصعب إقناع المغاربة بأن رئيس الحكومة الذي لم يستطع حتى تمرير قرار بإزاحة موظفة مسؤولة في قناة عمومية أن يقوم بإصدار قرارات من العيار الثقيل هكذا من تلقاء نفسه، وهو الذي يكرر عبارته الشهيرة أين رحل وارتحل بأنه جاء ليقدم العون فقط (أنا جيت غير باش نعاون).

من جهة أخرى هناك من يبدي مؤاخذات على سياسة الإصلاح التقشفية التي تستهدف القدرة الشرائية للمواطنين خصوصا ما تعلق منه بالطبقات المتوسطة، في حين تقوم بالدعم المادي بإصلاح الفساد بالفساد من خلال التحالف مع رموزه وضخ أموال كبيرة من ميزانية الدولة بغية إنقاذ المكتب الوطني للماء والكهرباء من دون أن يتزحزح مديره عن منصبه الذي كان مسؤولا مباشرا على تدبيره وبالتالي إيصاله لحافة الإفلاس، لكننا عندما نعلم أن أخ هذا المدير هو مستشار ينتمي للدائرة الضيقة لصنع القرار في المغرب نفهم البقية.

يحسب للحكومة الحالية نهجها لسياسة الزيادة التدريجية والتصاعدية للأسعار التي ارتكزت على قياس نبض الشارع في بداية الأمر، من خلال غض الطرف عن الزيادات الخفية وغير المعلنة في بعض المنتوجات والتي يتلمسها المواطن في معيشه اليومي حتى اصبح يخيل إليه غياب الدولة نظرا لفوضى الأسعار و لانعدام المراقبة، بل أكثر من ذلك فالمواطن لم يكترث حتى عندما اكتشف أنه كان يشتري الدواء بأغلى كلفة مقارنة مع دول قريبة ومجاورة، وعليه غدت الحكومة أكثر جرأة لتعلن عن الزيادة في الأسعار بشكل صريح ومعلن.

هذا الأمر يمكن قراءته وفق رؤيتين، رؤية أولى مفادها أن عموم المواطنين المغاربة يدركون صعوبة الظرفية الاقتصادية التي يتخبط فيها المغرب وأن الإصلاح واستقرار البلد يتطلب تضحيات جسام وبالتالي أي تهور قد يؤدي إلى منزلقات خطيرة من الفرقة والتشرذم تعيشها حاليا دول شقيقة.

رؤية ثانية تنطوي على ترقب وانتظار المواطنين لموعد الانتخابات لمعاقبة الحزب ،إما بهجر صناديق الاقتراع بالمرة أو تغيير الوجهة لأحزاب أخرى كبديل مفترض يحقق طموحاتهم، أو أخذ العبرة والدرس البليغ من الامتناع عن المشاركة في الانتخابات مما أفضى إلى وصول أحزاب إلى السلطة فاقدة للمشروعية نظرا لجمعها لأصوات زهيدة لا تعبر صراحة عن القاعدة الحقيقية للشعب المغربي،و يبقى هدفها الأساسي هو الاستوزار والوصول إلى السلطة حتى تستنفذ مرحلتها لتقوم باستبدال أسمائها بأسماء أحزاب جديدة أو تأسيس أخرى عن طريق الانشقاقات وهكذا دواليك.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة