أخلاقفوبيا

أخلاقفوبيا

سعيد المودني

 

نشرت صحيفة إلكترونية خبرا/مقالا حول "عريضة احتجاجية" على "ربط وزير الاتصال الإعلام العمومي بمنظمة تعتبر الذراع الدعوي للحزب السياسي للوزير المعني"، وبغض النظر عن صحة الادعاء ودقته، يبقى محتوى الكتاب مثيرا لمجموعة من الملاحظات والتساؤلات:

1- مما ورد في "العريضة" -حسب ما جاء في نص المقال المذكور- {أن [الوزير المذكور] يريد فرض خطاب ذي مرجعية أخلاقية ودينية على قطاع الاتصال بالدعوة إلى ما وصفه بتغيير المنكر}.. وهذا تعليل المفترض فيه -في كل البيئات السليمة- أن يجيّر لمصلحة صاحبه ويحسب له، فلا يمكن لأي شخص -كيفما كان دينه- أن يعترض على الدعوة إلى الاحتكام إلى الأخلاق، ولا نجد لمثل هذا الاعتراض نظيرا إلا في تقاول قوم لوط لبعضهم: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}!!.. وقد كان بإمكان أصحاب هذه "العريضة" حذف كلمة "الأخلاق" منها، ولا يغير الأمر من محتواها شيئا، لكن الله أعمى بصيرتهم لتكون الحجة مرسومة لا تحتاج إلى تأويل..كما أن صاحب المقال قد فعل خيرا إذ اقتبس منها فقرات نصا، حتى يسهل الرد عليها بألفاظها وليس بمضامينها فحسب..

إذن خلاصة القول أن قمة العار أن يدعو شخص إلى اعتماد مرجعية دينية أو أخلاقية!!!!!

2- وإن أحسست بامتعاض من ذكر "الخبر" خاصة مع توصيف الموقعين بالمثقفين والفنانين، إلا أني حاولت إيجاد بعض العذر لكاتبه عندما ذكر بعض من وقع على "العريضة"،،،فقد فعل حسنا عندما خص بعض الأسماء المعروفة بالذكر..

إن المطالع لعينة الأسماء الواردة لا تعوزه إمكانية الحكم بانتفاء أدنى قدر من الصفات التي نعت بها كثير منهم، سواء تعلق الأمر بالثقافة أو النضال أو الفن..

فالمثقفون هم حاملو هموم شعوبهم، ورافعو منسوب الوعي والمعرفة لديهم في إطار موروثهم ومعتقداتهم وأخلاقهم، هم قاطرة التغيير الحق في الوعي السياسي المنافي للخضوع والقبول بالاستبداد في مواجهة القوى المتجبرة المتحكمة في أرزاق الناس وكرامتهم.. وعليه، لم يكن المتغربون يوما مثقفي أمة أصيلة، سواء بدافع "الوعي المقلوب" أو بدافع تبعية لقاء دراهم معدودات أو تكفل بتحقيق امتيازات...

مناضلو نقض النصوص والأحكام الشرعية، والسعي لتقويض دعائم دين الأمة -ولن يستطيعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، فقط غباؤهم يمنعهم من الاعتبار بمن سبقهم على مدى قرون من الزمن، وكانوا أكثر منهم قوة وآثارا في الأرض، فعندما عجزوا، وكلوا البلهاء ليجعلوا شرورنا فيما بيننا- أقول مناضلو الإباحية هؤلاء هم من الجبن أقل من أن يلتفت إليهم المرء.. إنهم مناضلون ضد "الله" جل علاه ما دام ليس له جند يمشون في الأرض بين الناس بزيهم الرسمي يخشون بطشهم، لكنهم لا يناضلون ضد من يستلب حقوق الناس المادية والمدنية، والذي يشكل بالفعل على أرض الواقع هاجسا للمواطنين يقض مضجعهم ويقوض حياتهم ويضيق عليهم سبل أرزاقهم، لأنه له جنود يرونها، وهم لا يؤمنون إلا بما يدركونعبر حواسهم.. إنهم مناضلو "الحيط القصير".. مناهضو عقائد الأمة التي بقدر ما تشكل مصدر إيمان وفخر واعتزاز وتشبث وإجماع بمفهومه الحقيقي الدقيق لدى الناس، بقدر ما تشكل لهم تحديا وكابوسا، ربما لفشلهم الحتمي، ولكن أيضا ربما لأن رب العمل يهددبفسخ العقد!!

مناضلون حققوا كل المطالب الحقيقية للشعب في وجه القهر والظلم والتفقير والتجهيل والاستغلال والاستبداد... فأخلوا الساحة في انسحاب تكتيكي مدروس ليفتحوا جبهة عقيدة الأمة!!

مناضلو الدياثة والمطابة بالسماح للمحارم بممارسة الجنسعلى الرغبة وتحت الطلب!!!

الفنانون وما أدراك!! إنتاجات فنية ودرامية عملاقة تنافس استوديوهات العالم، تعمل على توثيق التاريخ وتنوير الحاضر واستشراف المستقبل النير، وتنشر القيم الحضارية، وتسعى لرفع معنويات الشعب والأخذ بيده نحو السمو والعلا، وتعمل على محاربة الفساد وتعرية بنيته ومنظومته، وأساسا تعرية جسد الذكر من الركبة حتى السرة، وجسد الأنثى فوق السرة وتحتها.. إنه الفن المختزل في فضح الجسد!! الفن الذي -بمواصفاته هذه- تتفوق عليه أدنى مومس في دار البغاء!!!

المشترك بين فئات أصحابنا هؤلاء خصلتان يمكن أن تسبب إحداهما الأخرى.. فمن جهة لم يعرف القوم أنفسهم إلى حدود اللحظة إلى أي منظومة روحية أو قيمية أو عقدية أو حتى حضارية ينتمون، وبالتالي ترتب عن هذا الجهل والتخبط والتردد انفصام حاد في شخصياتهم بين مجتمع وأصول متدينة، وبين ما يأتيهم به وحي الشيطان في تعاقده مع القوى الإنسية المسيطرة.. هذا الانفصام/النفاق نتج عن الرغبة في التواجد في حقلين وجدانيين مختلفين في نفس الأن قصد الاستجابة لرغبتين متناقضتين، وهي ملَكة لم تعط لأحد، إذ قال الخالق البارئ جل وعلا: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}، فنتج عن ذلك جبن في إظهار الباطن والاعتراف بالحق، وهو عدم الإيمان بهذا "الموروث"، وعدم القدرة على الإتيان بفهم بديل موثق مسنود معضود.. مع واقع النشاز والشذوذ في التموقع!!ولو كانت الجرأة في الإفصاح عن الموقف، لحسم الأمر نهائيا منذ أمد، بفهم يجلي الغموض ويرفع اللبس عن المشترك والخاص، فيتبع كل سبيله..

3- في ما مضى من شهور من عمر الحكومة الحالية، صبت جل الفعاليات جام غضبها -عن حق- عليها بصفة عامة، وعلى رئيسها وبعض أعضائها، ومنهم وزيرها في الاتصال، بشكل خاص،لأن الحزب المترئس للحكومة وصاحب منصب وزير الاتصال في نفس الوقت، لم يف بوعوده للناخبين التي من ضمنها إصلاح "القطب" العمومي، وكذا بسبب تغلب، بل وتغول،"موظفي" "القطب" على السيد الوزير المفوض من طرف الناخبين لتحسين جودة شاشاتهم، في إطار تدبير وإصلاح الشأن العام حسب ما قُدم في البرنامج الانتخابي، ومنه ما تعلق بهذا الحقل..

إن سؤالا أساسيا في التسيير السياسي يطرح هنا: إذا كان ليس من حق الحزب الذي يتولى عضوه حقيبة ما تنفيذ برنامجه في حقل الحقيبة المعنية، فلماذا أصلا تسند الحقيبة لحزب؟؟ ولماذا لا يبقى القطاع من مجالات السيادة الثابتة كما كان الأمر من قبل؟ ولماذا لا نكتفي فقط بالموظفين والتقنيين والمدراء والمسيرين المنفذين لأجندة الدولة الثابتة؟؟؟ "اطلع تاكل الباكور، انزل اشكون اللي قالها لك"!!

نعم نختلف جذريا مع الحزب المشار له من حيث مقاربته للمشاركة والإصلاح، وننتقده من حيث المبدأ لأنه دخل في لعبة غير متكافئة، الداخل فيها مفقود، ولم يلجها أحد قبله وخرج سالما معافى من غير الإداريين،والمنخرطين في لعبة "للا قسمة" أو "كل وكل" أو "ادهن السير يسير"،و"أحزاب" "البوليستير"(التي وظيفتها حفظ الصولجان عن طريق المناورة في الحيز المخصص لها بينه وبين علبة التلفيف، وكذا تلقي الصدمات وتخفيفها، حتى إذا أصيبت بضربة مباشرة تحولت إلى حبيبات منثورة فداء الصولجان).. ننتقده كما انتقدنا مَن قبله لأنا اعتبرناهم أحزابا(دون مزدوجتين)، ذات مرجعية فكرية، وقواعد جماهيرية، وامتداد وتغلغل تمثيلي قطاعي، وليست عطارة موسمية لترويج الماكياج السياسي، التي لا تستحق التفاتة أصلا..انتقدناهم لأنهم أطالوا عمر الفساد وأوقفوا عجلة الإصلاح الحقيقي بقواعده الموضوعية، وفوتوا على الشعب فرص التغيير التي نطمح إليها جميعا، وهم معنا بالتأكيد،، لأنهم أساؤوا التقدير، وورطوا أنفسهم وقطاعا واسعا من الشعب في تناقض ونكث،، لأنهم -باختيارهم اللحظة الخطأ- قد أصبحوا أول "حكومة-معارضة" في العالم كبراءة اختراع تؤكد الاستثناء المغربي، يدعو رئيسها إلى مقاطعة المواد التي تمت الزيادة في أثمانها، ويقول: "ما انا غير رئيس حكومة"!! مهزلة..

 

معارضون ومختلفون، بل وربما نكون مخالفين،دون أن نكون تماسيح ولا عفاريت ولا ملائكة ولا أفراس نهر.. في كل الأحوال، وفي أقصى حد البرجماتية، لسنا مستفيدين من الوضع حتى يمكن أن نتهم بالسعي إلى استمراره، فالمعارضة هي ثابتة مبدئيا، لكن، هذا لا يجب أن يسمح بالافتراء،تماما كما لا يجب أن يبيح التجني..

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة