هل ذبلت أوراق الربيع وحل زمن الردة الحقوقية؟
نور الدين الطويليع
يعيش بلدنا الحبيب ردة حقوقية غير مسبوقة عادت به إلى عهود غابرة ، مما حول أطرافا منه إلى فضاء عفن لممارسة طقوس الكفر بالأعراف الدينية والوطنية والإنسانية، هذا في الوقت الذي فضل فيه الجسم الحقوقي التولي إلى الظل والاكتفاء بالمعاينة، أو بحديث المقاهي عن الردة التي لم تعد مقبولة، في الوقت الذي يمارس فيه عتاتها طقوسهم بكل أريحية، يئدون الأحلام والأماني ويدسونها في التراب بعد أن يسرقونها منا، ويتركوننا وجها لوجه مع الانكسارات والخيبات، ومع دموع قدر لها أن تنهمر تباعا دون أن تجد يدا حانية تكفكفها.. يأكلون المال العام بعد أن يجيفوه، دون أن يعبؤوا بنتانته، ودون أن ترق قلوبهم، وهم يزدردوه، لطوابير الخاوية بطونهم، الذابلة أبصارهم الذين لا يجدون إلا إصدار الآهات وإتباعها بالزفير، مع إطباق الفم قدر الإمكان عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى معنى يفهم منه التبرم أو الضيق أو عدم الرضا، وإذا اقتضى الحال، وحتى ينأوا بأنفسهم عن الشبهة، يقدمون القرابين والهدايا ويوزعون الابتسامات الصفراء التي يحرمون حتى أنفسهم منها، كما لو كانت معارة لدقائق معدودة، وربما عكفوا على التهليل والتسبيح بحمد هذا الصنم الذي نبت في أرضهم، أو ذاك، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التفكير في طبيعته وجبروته وأثره عليهم، يعكفون مهللين لأصنام الجهل والأمية والإقصاء والتخلف عن الركب التنموي وهدر المال العام ونهب خيرات البلاد بشتى الطرق والأساليب.
هؤلاء المرتدون الجدد، ونحن الأتباع صرنا رقما واحدا، أو هكذا نتوهم لنعزي النفس عن واقع إذلال خروجنا عن محجة عالم آخر بيضاء تطلعنا إليها يوما، حتى إذا فشلنا ارتددنا على أعقابنا وأعلنا الاستسلام، وسلمنا لأهل الردة مفاتيح النخوة والعزة والإباء وأقفالها وكل مرادفاتها، ثم احتفظنا بما يجعل منا نساكا نجيد لغة الإطراء وتأدية شعائر مباركة طقوس ذبح الوطن، والتصفيق بحرارة لمهارة مبدعيها وقدرتهم على فصل الجلد عن اللحم، وربما التفتنا حوالينا وعاينا تخلف عمرو أو زيد، فملأنا الدنيا ضجيجا وعويلا، وطالبنا بإخراجهم من قريتنا لأنهم أناس يتطهرون.
مسحنا جميعا مفاهيم المساواة والحرية والعدالة ومحاربة الفساد والاستبداد من مخيلتنا بعد أن ملأنا بها الدنيا في زمن الربيع الذي تحول إلى خريف تساقطت أوراقه الذابلة واليابسة عند جيراننا بعد أن امتدت الأيادي الآثمة إلى سقي أشجارها بالدسائس والفتن، ووجدت من القريب عونا ومساعدا مخلصا يتملى بسقوط الأوراق واندثارها ويحمل بندقيته بكل نشاط وحيوية لاجتثاثها من الأرض وتقديم أغصانها اليابسة المتفحمة كقربان لهذه الأيادي، دون أن يدري أنه يقتل نفسه في كل طلقة يشرف على إصدرارها.
رفضنا نحن كل الفصول وقررنا الدخول في شرانقنا والصوم الأبدي المستمر، بعد أن أطفأنا المصابيح المتوهجة لأن إنارتها تزعج عيوننا المغمضة عن الآخر، المنتشية بلذة النوم العميق، لم نعد نطلب زادا ولا مؤونة لأن الصوم كفانا شرهما، وربما تبرعنا بما لدينا لمن فضلوا تعب اليقظة، وفتحنا لهم بيوتنا ليعبثوا بها وبنا كما يشاؤون مطبقين المثل الدارجي "عين ما شافتش وقلب ما وجعش".
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
المقالات الأكثر مشاهدة
2464 مشاهدة
7
2319 مشاهدة
8
