نكبة المباركة ـ رسالة تذكير إلى رئيس المجلس الحضري لمدينة اليوسفية

نكبة المباركة ـ رسالة تذكير إلى رئيس المجلس الحضري لمدينة اليوسفية

نور الدين الطويليع

 

بينما كان الخليفة العباسي هارون الرشيد يتجول في إحدى بساتينه اشتهى تفاحة فأمر رفيقه يحيى البرمكي بأن يقطفها له، ولما كان الغصن الذي يحمل التفاحة بعيدا، طلب هذا الأخير من الأمير الرشيد أن يحمله على ظهره ليحقق له مبتغاه، عندها رأى رجل المشهد فأقسم قائلا: "والله لتنزلن أبشع نزول بعد هذا الصعود يا يحيى".

لم يشر الرجل هنا إلى سقوط يحيى من على ظهر الأمير، وإنما لمح إلى قرب نهاية سطوة أسرة البرامكة الفارسية على الحكم العباسي وتغلغلهم فيه، واستئثارهم بالمكانة المتميزة داخل البلاط، متخذا من إشارة الامتطاء مؤشرا على بداية نهاية الأسطورة البرمكية، وهو ما حدث بعد حين، حين انقلب هارون الرشيد على الأسرة التي كان أفرادها أحب إليه من صاحبته وبنيه، وعاث فيهم اعتقالا وتقتيلا وتشريدا، وجردهم من أموالهم وممتلكاتهم، لتنتهي أسطورة البرامكة وتنتهي سلطتهم على دواليب الحكم العباسي بما اصطلح عليه المؤرخون "نكبة البرامكة".

مناسبة استدعاء هذه الواقعة التاريخية هو ما تعيشه مدينة اليوسفية من سطوة آل مبروك، أو المباركة على المجلس الحضري لمدينة اليوسفية في شخص كبير الأسرة عبد المجيد مبروك، فالرجل خلا له وجه المدينة ودخلها من جميع أبوابها آمنا مطمئنا، وقطفت يده كل ما اشتهته نفسه، دون أن يجد من يحجزه عما يريد، مستعينا بظهر الرشيد وغير الرشيد، ولسان حاله يقول: إنما آتاني الله ملك اليوسفية أصرفه كما أشاء، ومن رغب عن طاعتي ولم يرض بتدبيري فليلطم خده، أو ليردس رأسه".

مهلا سيدي الرئيس، علمتنا الحكمة العمرية أنه "ما كمل شيء إلا نقص"، وعلمتنا الحكمة الشعرية أن "لكل شيء إذا ما تم نقصان"، وها أنت الآن في قمة صولتك، تحرك صولجانك كما تشاء، وتهش به على من تشاء، وتقدم على ما تشاء دون أن تجد كلمة "لا" أو شيء من أخواتها في طريقك.

ها أنت الآن قد أسكت كل صوت معارض، فدان لك المجلس الذي تتربع على عرشه بالولاء بمعارضته ويمينه إلا من رحم الله، فصرت تمرر عليهم كل ما تريد، وهم يكتفون بإيماءة الموافق  كأن على رؤوسهم الطير، دون أن يجرؤوا على مراجعتك أو معارضتك كأنما أوتيت حكم سليمان، أو كأن في يدك عصا موسى التي لم تكتف بتسليطها على مستشاريك، فبسطتها كذلك على ما يسمى هيئات المجتمع المدني التي لا أحد يعرف وصفتك السحرية التي استطعت بموجبها أن تكتم صوتها وتخرس لسانها عن الكلام إلا ما كان مكاء وتصدية وحمدا وتسبيحا وتصفيقا بعضه في العلن، وكثير منه في السر على دورك البطولي في مسلسل التدبير التراجيدي الكوميدي لشأن مدينة فازت بلقب يتيمة المدائن عن جدارة واستحقاق.

ها أنت سيدي تمتطي ظهورنا جميعا وتخرق القانون في واضحة النهار بتشييد سقيفة في الطريق العام، دون أن تعبأ بما يمكن أن يسبب ما اقترفته يمينك من حوادث قد تودي بحياة أبرياء لا ذنب لهم إلا لأن رئيسهم ابتسمت له الدنيا ومنحته من السلطة ومن إتيان ما يريد بمباركة الرشيد وغير الرشيد، ها أنت تحتل الملك العمومي وتعطي القدوة والأسوة لمن هم فوقك أو تحتك ليسيروا على الدرب، كأنما أنت استثناء مما نسمعه من مذكرات وقوانين وقرارات تحث على عكس ما تفعل.

أبشرك سيدي أن الصعود إلى القمة يعقبه اندحار منها، هذا الرشيد الذي امتطيت ظهره سيرميك على الأرض عما قريب، فحينما تتلبد سماء المدينة بغيوم الانتخابات، سيشهر الجميع في وجهك، بمن فيهم من يدعي الولاء الآن ويمنحك ظهره الآن، ورقة الرفض، وستنبو بك أرض اليتيمة، وحينئذ لن تجد لك مكانا في تشكيلة المجلس القادم، وستجر خيبتك على آلك وصحبك، لتطوى صفحة خطت بيد يحيى اليوسفية الذي سيتحدث الناس عن جنايته على المباركة ودحرهم خارج لعبة تدبير الشأن المحلي، وتسببه من ثمة في نكبتهم السياسية المدوية، ليردد الجميع حينئذ المثل العربي " على قومها جنت براقش".    

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة