النقابات التعليمية شريك أم شراك؟

النقابات التعليمية شريك أم شراك؟

مراد الدردري



بالتسليم أن النقابات التعليمية هي الممثل القانوني والشرعي المفاوض و المدافع عن حقوق رجال ونساء التعليم، فإنه يتوجب على هذه النقابات حمل تطلعات ومطالب الشغيلة التعليمية لا حمل مشاريع وقرارات المخزن المتخفي وراء جدران الحكومة.

طبعا هذا الدور نظرا لطبيعته ومكانته بين أوساط المجتمع وباقي القطاعات ثقيل وليس بالسهولة التي يعتقدها البعض إذ يتطلب من الهيئات النقابية باعتبارها مؤسسات هيكلية وبنيوية أن تكون لديها تصوراتها ومشاريعها البديلة لتصورات ومشاريع الحكومة وليس فقط تجمعات بشرية شعبوية تقتصر فقط على ثقافة الحشد والاحتجاج والاستنكار والتنديد. وبالرغم أن هذا مفروض في دولة تتحكم في مصيرها شبكة من عصابات الباطرونا تعتبر المستخدمين مجرد حشرات بشرية.

لكن الحشد فقط على مطالب مجتزئة فئوية خبزية، وفي أوقات المناسبات المتزامنة مع استحقاقات إنتخابية، أو أيام عالمية استعراضية للعضلات المنفوخة بكثرة استعمال المسكنات والمهدئات، دون وجود مشروع شامل وتصور دقيق للمدرسة بجميع مكوناتها وبنياتها واستراتيجياتتها، فمهما اجتمع هذا الجمع ومهما بلغ حجمه، سيفترق في النهاية وسيضمر مع الوقت ويولي الدبر. لأنه باختصار جمع لإجتماع المصالح الذاتية الضيقة الأفق، لا تحركه أية عقيدة نضالية ثابتة توحد عناصره وأفراده سوى الإحتجاج وفقط.
ربما قد تكون هناك رغبة ملحة في استرداد الكرامة ورد الاعتبار، لكن هذه الكرامة تختلف باختلاف الشخصيات والمشارب و زاوية النظر،وحدود الإدراك.
 فهناك من يرى أن كرامته تختصر فقط في أجر مادي مريح يلبي حاجياته اليومية ويوفر له الإستقرار الإجتماعي والأمن الغذائي.
 ولكنه بالنظر إلى الواجب والدور المحوري المنوط برجل التربية والتعليم في بناء مجتمع سليم فكريا ونفسيا ينهض بالبلاد في جميع مجالاتها، فالإعتناء باستقراره الإجتماعي ومراعاة حاجياته و متطلباته يدخل ضمن نطاق حقوقه وليس كرامته. فكرامته تتحقق حينما يشارك في صنع القرار التربوي والتعليمي باعتباره الوحدة البنوية الأساسية والمحركة في المنظومة التعليمية،وليس أجيرا أو مستخدما في مزرعة الوزير وحاشيته.

ففي الدول المنصفة المتحضرة التي تحترم نفسها وتقدر مَن علم أطباءها ومهندسيها وتقنييها وقضاتها، يعتبر رجل التربية والتعليم شريكا رئيسيا في رسم السياسة التعليمية بمجملها بتحديد التوجهات التربوية والأهداف والغايات وتخطيط المناهج واختيار البيداغوجيات وتأليف الكتب المدرسية.  بينما في الدول المخزنية، فرجل التربية والتعليم مجرد عبئ إضافي غير منتج لا يدر دخلا سمينا على خزينة الدولة كما رآه ويراه من يرى بعين المخزن، ويعمل بعقلية المخزن، ويأتمر بأوامر المخزن. لكنه في نفس الوقت يعتبر شريكا ضروويا في تأثيت المشهد السياسي و أداء الضرائب والإقتطاعات و إنقاذ الصناديق الإجتماعية المنهوبة مع سبق الإصرار والترصد.

وطبعا تكريس هذا الإحساس و الشعور وهذه النظرة الدنيا التحجيمية الإنتقاصية بشكل متعمد لهذا المقهور المأسور في سجن مؤبد بأجر محدد، بالتضييق على حقوقه حينا و بالإجهاز على مكتسباته أحايين أخرى، وبقمعه وسحله والتعريض به عبر القنوات الإعلامية والصحف المأجورة كلما أينع رأسه، هو نتيجة لسياسة قطاعية إقطاعية قديمة جديدة، هدفها ضرب عمق الوحدة البنيوية والمحركة لهذا المجتمع.
والتهميش والإقصاء نال رجل التعليم من القاعدة قبل ان يناله من رأس الهرم. فحينما ينظر الى حاله وأدائه من خلال زاوية انخراطه وأدائه في العمل النقابي، تجد لديه نفورا شبه تام وسخطا أكثر منه على وزارته الوصية العصية، (من العصا لمن يعصى). فكيف سينخرط رجل التعليم ضمن هيئات نقابية تقودها بطون منتفخة منتفشة تمت صناعتها صنعا في معامل أرباب المزارع للمساهمة في بيع محصولها الفاسد مقابل بعض الهدايا و "الصدقات" ؟ وكيف سيبدع ويبتكر هذا الرجل في ظل تسلسل حلقات القهر والإقصاء الممنهج كتسلسل سلالم الترقية وتسلسل الأسلاك التعليمية وتسلسل الحركات الإنتقالية، وتسلسل الزبونية والمحسوبية ؟.

حقيقة رغم أن هذه الأمراض قد تنهك وتنخر من عزيمته في الإصلاح والإبداع والإبتكار والتغيير، إلا انه بالنظر الى تاريخ إرادة الجماعة أمام قوة التسلط، دائما ما كانت تنتصر إرادة الجماعة. وخصوصا إذا كانت هذه الارادة لعقول معلمة ومربية يقدر عددها في المنظومة التربوية بعشرات الالاف، ينتظر منها قيادة وريادة وتنشئة وتربية وبناء مجتمع بأكمله.
 فلو أن هذه العقول وجهت البوصلة في الإتجاه الصحيح غير منتقصة من قوة إرادتها ومؤمنة بقوتها في التغيير، مستحضرة بنظرة شمولية وغير مجتزئة كل الأدوات المستعملة في تفريقها وتشتيتها وتجهيلها، متجاوزة كل الإطارات الكرتونية وكل السياسات البراغماتية الضيقة، مستنفرة كل طاقاتها، لهدمت اصناما وكراسي وعروش، وشيدت مكانها مراكز ومدارس تربوية وتعليمية بمعانيها الحقيقية و نسخها الأصلية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة