الخطاب الملكي في البرلمان: وصايا للتاريخ
سعيد صابر
كمواطن مغربي تابعت باهتمام بالغ الجلسة الافتتاحية للدورة البرلمانية الخريفية التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، و من خلال قراءتي البسيطة للخطاب الملكي اهتممت بثلاث نقط رئيسية أثارت انتباهي. لست أقول أن هناك ثلاث نقط في الخطاب لكني أعني ثلاث نقط رأيتها محورية لابد من الوقوف قربها لعلها تنير الطريق لبعض ممثلي الشعب الذين تناسوا مهمتهم و انخرطوا في الاهتمام بمشاكلهم الخاصة بدل الانكباب على إيجاد حلول لمشاكل الوطن و الشعب.
النقطة الأولى هي : قول جلالة الملك في خطابه أن" من حق كل المغاربة، أفرادا وجماعات، أينما كانوا، أن يعتزوا بالانتماء لهذا الوطن". هذا الاعتزاز يجب أن ينعكس واقعيا على مستوى المشاركة البناءة في تشييد هذا الوطن الذي يضمنا جميعا. و إذا تتبعنا المشهد السياسي بالمغرب نجد عزوفا لدى الشعب بصفة عامة و الشباب بصفة خاصة عن السياسة و هذا ينعكس بالسلب على مشاركتهم في بناء الوطن أو الاعتزاز به فنجد أنهم غير راضين تماما عنه , و لانريد أن نقول, بأنهم ساخطون, لكل هذا لا بد من التنبيه إلى أن على الفاعل السياسي أن يجعل المواطنين المغاربة فخورين ببلدهم و هذا لن يتأتى بالشعارات الكاذبة و الوعود المعسولة, بل عن طريق برامح انتخابية حقيقية تحترم إرادة الشعب و اختياراته, و هذا الأمر هو ما قرره جلالة الملك في النقطة الثانية.
النقطة الثانية جاءت في قول جلالة الملك في نفس المعنى الذي ذكرته أعلى حيث قال جلالته في هذا الصدد :" إن هذه السنة ستكون حافلة أيضا باستحقاقات هامة وفي مقدمتها إقامة الجهوية المتقدمة ,وعلى بعد أقل من سنة، على الانتخابات المحلية والجهوية، أتوجه إلى جميع الفاعلين السياسيين :"ماذا أعددتم من نخب وبرامج، للنهوض بتدبير الشأن العام؟" مضيفا على هذا الكلام قوله :"أن الانتخابات المقبلة، لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها. وإنما يجب أن تكون مجالا للتنافس السياسي، بين البرامج والنخب. وليس حلبة للمزايدات والصراعات السياسوية": هذا الكلام لا يحتاج إلى محللين سياسين محنكين لمعرفة أنه عتاب موجه إلى جميع الفاعلين السياسيين و الحزبيين الذين تخلوا عن مهمتهم في تأطير الشباب سياسيا و بمزايداتهم السياسوية غير محسوبة العواقب و انخرطوا في تدمير ثقة الشعب في السياسة و مايدور في فلكها .و لست أجد هنا من مثال حي على هذا العبث السياسي سوى قول أحد المشاركين في الحكومة الحالية في برنامج تلفزيوني بأن الحكومة الحالية هي حكومة صاحب الجلالة فما كان من أحد قادة المعارضة بأن أجابه بأنهم أيضا معارضة صاحب الجلالة. أبهذا الحديث يمكننا إرجاع البريق للعمل السياسي بالمغرب؟ و هل هذه هي البرامج الانتخابية التي ستنهض بتدبير الشأن العام؟و هل بهكذا أقوال سنساعد المغاربة على الافتخار بوطنهم؟
النقطة الثالثة المهمة في خطاب صاحب الجلالة تمثلت في دعوته المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لإعادة النظر في منظور ومضمون إصلاح منظومة التربية والتكوين وفي المقاربات المعتمدة، وخاصة من خلال الانكباب على القضايا الجوهرية، التي سبق أن حددها جلالته في خطاب 20 غشت للسنة الماضية. هذا الاهتمام الذي مافتئ جلالته يوليه لميدان التعليم و للعاملين فيه،لاتواكبه إصلاحات مماثلة على أرض الواقع, و هذا ما نلاحظه متجسدا في الاحتقان الدائم في كل مناحي هذا الميدان, على الرغم من تأكيد جلالته بأن تقدم الوطن رهين بتقدم تعليمه,إلا أن التقارير الميدانية ماتلبث أن تخبرنا بالإخفاقات المتتالية التي عصفت بقطاع التربية و التعليم, وهنا لايخفى على أحد المهمة الجسيمة الملقاة على عاتق كل المتدخلين في القطاع، و بالخصوص رجال و نساء التعليم، الذين يربون في النشء حب الوطن و قيمة الافتخار به في كل الميادين, هذا الافتخار لا يمكن أن يتحقق و حقوق هؤلاء تهضم يوما بعد يوم على يد سياسات الحكومة اللا ديمقراطية.
هذه ثلاث نقط كان لابد من الإشارة أليها , و كجميع المغاربة الذين يفتخرون بمغربهم، أتمنى من الفاعلين السياسيين و الأحزاب أن تتلقف هذه الإشارات و تقوم بتجسيدها على أرض الواقع, أما إذا سارت على نهجها القديم، فلنقرأ اللطيف على كل الأوراش الكبرى, و لنقل للعزوف السياسي مرحبا.
